فادي السمردلي يكتب : الأردني لم يعد يسعى للعيش بل للنجاة حتى آخر
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في الأردن اليوم، لم يعد السؤال الحقيقي “كم راتبك؟”، بل: “كيف تنجو حتى نهاية الشهر؟”. فالحياة بالنسبة لآلاف العائلات لم تعد حياة بالمعنى الطبيعي، بل تحولت إلى عملية استنزاف يومية طويلة، يدخل فيها المواطن معركة مفتوحة مع الإيجار، والكهرباء، والأقساط، والديون، وأسعار الغذاء، وغلاء المواصلات، بينما يقف الراتب عاجزًا عن اللحاق بأي شيء.
المشكلة لم تعد مجرد ضيق اقتصادي مؤقت، ولا أزمة عابرة مرتبطة بظرف إقليمي أو عالمي فما يعيشه الأردني اليوم أعمق من ذلك بكثير فهناك شعور متزايد بأن الطبقة الوسطى التي كانت تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي بدأت تتآكل بصمت، وأن المواطن الذي كان قادرًا قبل سنوات على بناء حياة مستقرة أصبح اليوم بالكاد يحافظ على الحد الأدنى من التوازن.
الموظف الذي يعمل ثماني أو عشر ساعات يوميًا لم يعد يسأل عن الادخار أو تحسين حياته أو حتى الترفيه عن عائلته فكل ما يفكر به الآن هو كيف يغطي الإيجار؟ كيف يدفع فاتورة الكهرباء؟ كيف يؤمن أقساط الجامعة؟ وكيف يخرج من الشهر بأقل الخسائر الممكنة؟
المؤلم أن هذا الشعور لم يعد محصورًا بالفقراء فقط، بل امتد إلى شرائح واسعة كانت تُعتبر سابقًا “مقتدرة” نسبيًا فأصحاب الرواتب الثابتة، الموظفون، صغار التجار، وحتى بعض أصحاب المهن، يعيشون اليوم تحت ضغط اقتصادي ونفسي هائل فكثيرون يعملون أكثر من وظيفة، وآخرون غارقون بالقروض، فيما تحولت بطاقات الائتمان والتطبيقات المالية إلى وسيلة للبقاء لا للرفاهية.
الشارع الأردني لم يعد غاضبًا فقط من ارتفاع الأسعار، بل من الإحساس بفقدان العدالة فالمواطن يرى أن كل شيء يرتفع إلا دخله ويرى أن تكاليف الحياة تقفز بسرعة، بينما قدرته الشرائية تتراجع عامًا بعد عام وحين يشعر الإنسان أنه يعمل بلا نتيجة، يبدأ الإحباط بالتسلل تدريجيًا إلى حياته اليومية، ثم إلى نظرته للمستقبل كله.
الأخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها هو ما تتركه من آثار اجتماعية عميقة فالشباب اليوم يؤجلون الزواج لأنهم غير قادرين على تحمل تكاليف الحياة وعائلات كاملة ألغت فكرة السفر أو الترفيه أو حتى بعض الاحتياجات الأساسية فالجامعات أصبحت عبئًا ثقيلًا على الأسر، والسكن بات يستنزف الجزء الأكبر من الدخل، فيما تتحول فكرة “الاستقرار” إلى حلم بعيد عند كثيرين.
في المقابل، ما يزال الخطاب الاقتصادي الرسمي يتحدث بلغة الأرقام والمؤشرات والنمو والاستثمار، بينما يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا فالناس لا تقيس الاقتصاد بالنشرات الرسمية، بل بما تبقى في جيوبها آخر الشهر وحين يشعر المواطن أن حياته تتراجع رغم كل الحديث عن التحسن، تبدأ الفجوة بالاتساع بين الخطاب الرسمي والواقع الحقيقي في الشارع.
المشكلة أيضًا أن المجتمع الأردني بطبيعته مجتمع صبور فالناس تتحمل طويلًا، وتتكيف مع الضغوط، وتخفض سقف احتياجاتها باستمرار ولكن الخطير أن الاعتياد على الضيق لا يعني اختفاء الأزمة، بل يعني تراكمها بصمت حتى تصل إلى مرحلة الانفجار الاجتماعي أو النفسي أو حتى الأخلاقي أحيانًا.
اليوم، هناك جيل كامل يشعر أن الطريق أمامه مغلق فالوظائف قليلة، الرواتب ضعيفة، والأسعار أعلى من قدرة الشباب على الاحتمال ولذلك لم يعد غريبًا أن يتحول حلم آلاف الشباب من بناء مستقبل داخل البلد إلى مجرد فرصة للهجرة أو الخروج بأي طريقة ممكنة.
المواطن الأردني لا يطلب حياة مترفة، ولا يبحث عن رفاهية خيالية فكل ما يريده ببساطة هو شعور طبيعي بالأمان الاقتصادي، أن يعمل فيكفيه راتبه، وأن يستطيع تأمين حياة كريمة لعائلته دون أن يعيش تحت ضغط الديون والخوف الدائم من القادم.
لكن الواقع اليوم يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالأردني لم يعد يعيش فعلًا… بل ينجو آخر الشهر.
الكاتب من الأردن ش