العالم العربي بعد 1967 لم يعد يرى بالعرب في إسرائيل “خونة” وارتفاع خطر تجنيدهم لحركة التحرير

وهج 24 : يواصل معهد إسرائيلي مختص بالوثائق التاريخية الأرشيفية الكشف عن خبابا اجتماعات وتقديرات ومواقف وقلق الجهات الرسمية في إسرائيل تجاه فلسطينيي الداخل منذ أن تنبهت لبقاء أقلية كبيرة من الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية التي كانت وما تزال تعتبرها منذ نكبة 1948 “طابورا خامسا” و”تهديدا استراتيجيا” عليها.

ضمن سلسلة المستندات الأرشيفية التي يكشف عنها معهد “عكافوت” الإسرائيلي منذ تأسيسه في حيفا عام 2014 نشر أمس وثيقة جديدة تلقي الضوء على قلق دولة الاحتلال من فلسطينيي الداخل حتى في العام 1973، خلال حرب وشيكة.

ويقول عكافوت “إن قضية تعامل إسرائيل مع الأقلية العربية الفلسطينية فيها مطروحة على الأجندة منذ سنوات طويلة جدا منوها إلى أن مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية السابق شموئيل طوليدانو قد وضع مذكرة سرية في ربيع 1973 تحتوي تحليلات لمنظومة العلاقات بين الدولة وبين الأقلية مع تقديرات لمستقبل هذه العلاقات خلال حرب محتملة في ذاك العام”.

وثيقة أرشيفية تكشف عن مذكرة سرية إسرائيلية

طوليدانو الذي أشغل وظيفة مستشار رئاسة الحكومة للشؤون العربية لدى ثلاثة رؤساء وزراء إسرائيليين راحلين يقول في المذكرة السرية المذكورة من 1973 إن شحنات المرارة المتراكمة علاوة على مشاعر الاغتراب وخيبة الأمل تجاه الدولة من جهة واحدة والمجتمع اليهودي من جهة أخرى قد بلغت منسوبا يدعو للقلق خاصة أن عامل الوقت يلعب في غير صالح الدولة اليهودية بشكل خطير.

وينبه “عكافوت” أن طوليدانو وبدلا من أن يوصي أمام رئيس الحكومة بتحسين منظومة العلاقات المتوترة فإنه يحمّل في مذكرته المسؤولية على المواطنين العرب أنفسهم: “معظم المواطنين العرب في إسرائيل يرتمون في أحضان الحزب الشيوعي “راكاح” وقلة منهم يرتمون في أحضان المنظمات التخريبية الفلسطينية”.

يشار إلى أن طوليدانو قد أشغل منصب وظيفته هذه في فترة حكم ليفي أشكول وغولدا مئير واسحق رابين وفي الثامن من مارس/ آذار 1973 قدم  مذكرة مطولة تشمل 12 صفحة تحت عنوان “عرب إسرائيل- تقدير موقف وتوقعات”. وفي هذه المذكرة التي رفعت لرئيسة الوزراء الراحل غولدا مئير يوجز طوليدانو أوضاع فلسطينيي الداخل (19%) في مجالات شتى: التربية، الأعمال، السياسة وغيرها وقد ضمنه تنبؤات للمستقبل. وينوه معهد “عكافت” أنه لا يعلم إذا ما تمّ إعداد هذه المذكرة بناء على طلب مئير نفسها لكن اجتماع الحكومة يوم 29 يوليو/ تموز 1973 تم التباحث في مسألة المواطنين العرب في إسرائيل بمشاركة طوليدانو.

نزاع بين عالمين

وينوه “عكافوت” إلى أن محضر جلسة الحكومة المذكورة ما زال محجوبا عدا ورقة واحدة ومعه ملف آخر في “أرشيف الدولة” يحتوي على مذكرة طوليدانو وفيها تقول مئير للوزراء: هنا استرعي انتباهكم لما قاله طوليدانو. لقد فعللنا الكثير من الأمور الكبيرة ولكن ليس كل شيء. لم نفعل كل شيء حتى لليهود. شكرا جزيلا”.

وفي مذكرته يشير طوليدانو من أولها إلى آخرها للصعوبة الكبيرة في اندماج فلسطينيي الداخل بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل. قريبا سيتخرج عدد كبير من طلاب الجامعات العرب ممن يتمتعون بوعي وطني قوي وسيبحثون عن عمل ملائم في المؤسسات الحكومية والجماهيرية ولن يجدوه.

في المقابل يشير إلى أن المثقفين الفلسطينيين في إسرائيل يتنازعهم عالمان: عالم الواقع الذي فرض عليه وفيه لا يشعر أن إسرائيل دولته الطبيعية والعالم الثاني هو عالم حركة التحرر الوطني الذي يتم التعبير عنه عمليا داخل العالم العربي الواسع.

ويتابع “يعاني الأكاديمي العربي في إسرائيل من إحباط ويأس مما يسبب حالة من السلبية الاقتصادية والاجتماعية أو الاندفاع نحو العمل ضمن صفوف الحزب الشيوعي. هناك صراع بسبب أصل العرب كجزء من الأمة العربية وبين كونهم جزء من الدولة الإسرائيلية وهكذا تنتج مأساة. المثقف العربي موجود بحالة نفسية سيئة. التماثل الوطني محظور ولا يملك غاية يطمح لها ولا توجد للشاب العربي شخصية عربية إسرائيلية يستطيع التماهي معها وحظر الانتماء الوطني يدفع نحو اليأس. المعلم العربي في المرحلة الثانوية يجد نفسه مجبرا على تمرير أفكار لطلابه تتعارض مع أفكاره هو والطلاب في دواخلهم ينظرون له كصهيوني. قلائل من الشباب يتدبرون أنفسهم في مكان عمل هنا أو هناك لكن الرواسب ومشاعر الانتقام وفقدان الثقة تنبض داخلهم. تصنع حسنا حكومة إسرائيل إذا ما استخلصت العبر من تجارب الماضي. مصادر العمل تفضل اليهودي دائما على العربي والمناصب الرفيعة في الدولة موصدة أمام الأخير”.

معضلة الاغتراب لدى المثقفين العرب

ويتحدث طوليدانو أيضا عن “معضلة الاغتراب” لدى المثقفين العرب ممن ينهون الدراسة الجامعية ويكتشفون هوة ثقافية واسعة بينهم وبين سكان قراهم ولذا يمل كثيرون منهم للانتقال للمدينة والزواج هناك مما ينتج صراعا مع أهاليهم وهم بمعظمهم من غير المتعلمين خاصة أنهم تيقنوا من عدم قدرتهم على إحراز تغييرات اجتماعية كانوا يحلمون بها ولاحقا اصطدموا بواقع أن سكان القرى العربية هم مجتمع عربي محافظ يتمسك بتقاليد شعوب الشرق.

ويتطرق طوليدانو للناحية السكانية التي طالما أقلقت إسرائيل على خلفية عنصرية فيقول في مذكرته إن عدد العرب في إسرائيل سيزداد بسبب ضمّ الشطر الشرقي من القدس وبسبب الزيادة الطبيعية علاوة على ظاهرة الزواج من نساء فلسطينيات من الضفة وغزة. ويتوقع أيضا زيادة بعدد المثقفين وينبه أن ارتفاع مستوى الثقافة سيضاعف الرغبة بالبحث عن هوية وطنية وهكذا “تكبر الحساسية والمعارضة للتمييز الحقيقي أو المتخيل”.

ويمضي طوليدانو في تحذيراته: “الدول العربية التي رأت بالعرب في إسرائيل حتى حرب 1967 كخونة أو على الأقل عديمي المصداقية قد غيرّت موقفها وباتت ترى بهم جزء من العالم العربي ولذا من المتوقع أن نشهد محاولات متكررة لتجنيدهم في “الكفاح المسلح” ضد إسرائيل ونرفق هنا نصا من مضامين إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية.

تحذير للحكومة

في المقابل لا يتوقع طوليدانو حدوث تغيير جوهري من ناحية استعداد الوزارات والمؤسسات الجماهيرية العامة استيعاب وإشراك موظفين عرب ضمن أطر صناعة القرارات. ويذكر طوليدانو أن أمام 60 ألف شاب عربي يبحثون عن فرص للعمل تمثل مصاعب اندماج وتكيّف داخل المجتمع اليهودي الذي يرى بمجرد المصطلح “عربي” أمرا سلبيا وأحيانا مقززا.

كما يذكر طوليدانو الذي ما زال يقيم في القدس المحتلة اليوم وعمره 100 عاما أنه لا يتوقع تغييرا جوهريا في سلوك السكان اليهود وفي تعاملهم مع العرب داخل المدن المختلطة وفي مراكز العمل. ويتابع طوليدانو المولود في طبرية عام 1921: “كما ثبتت حواجز ومعيقات أمام العرب عند توجههم لدخول مراكز العمل في مؤسسات حكومية مختلفة فإن الأمر صحيح أيضا في القطاع الخاص. بالطبع ليس متوقعا أن نشهد تغييرا في جاهزية الشركات الخاصة وجاهزية رجال أعمال أفراد استيعاب عرب في أعمالهم.

ويحذر طوليدانو في مذكرته من أن الدولة تفقد العلاقة مع الشباب العرب معتبرا أن أحد عوامل ذلك يكمن برفضهم قيم وعقيدة المساواة والتعايش الذي نريد منحه لهم لأن هذه القيم لا تحركهم وتبدو لهم فارغة وتتحطم على صخرة واقع الحياة اليومية”.

الشعور بالانتماء

ويقول طوليدانو في مذكرته لغولدا مئير إنه في هذه التقديرات يحاول أن يكون واقعيا لا متشائما ويقترح فعاليات توعية ودعاية مكثفة من أجل تغيير صورة العربي لدى السكان اليهود.

ويقول إنه طالما استمرت حالة الحرب بين إسرائيل وبين دول عربية لا يبدو أي حل راديكالي للمشاكل الصعبة للأقلية القومية العربية فيها. لكنه يعتقد أنه بالإمكان تخفيف وطأة المشكلة وربما إبطاء وتيرة تفاقمها إذا ما أحسنت هذه بمنحهم شعورا بالانتماء لها من خلال دمجهم بالتفكير والتخطيط وفي القرارات وفي الوزارات وفي المنظومة السياسية بكل أطيافها على الأقل في المواضيع التي تخصهم مباشرة.

كما يوصي طوليدانو باستغلال وسائل الإعلام من أجل تغيير صورة العربي لدى السكان اليهود في محاولة لتسوية المشكلة على المستوى الاجتماعي.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا