أمام سؤال “المنظمات الـ6”: إسرائيل “تحدد” للعالم مفهوم “الإرهابي”

ليس في إسرائيل أو العالم خلاف بخصوص عدالة مكافحة الإرهاب والإرهابيين. جميعنا نثق بقوات الأمن بأنها ستعرف كيفية إدارة هذه الحرب. ونحن أيضاً نتبنى بدون اعتراض تعريفها بخصوص مسألة من هو إرهابي وعدو. قالت مراسلة من جنوب إفريقيا، في مقابلة، بأن عائلتها الليبرالية لم تصوت لحكومة الأبرتهايد. ولكن نيلسون مانديلا كان في نظرها إرهابياً.
شعوب العالم تجد صعوبة في تعريف الإرهاب. وبناء على ذلك، ليس له تعريف متفق عليه. من المقبول تمييز الإرهاب كاستخدام متعمد للعنف ضد أهداف مدنية لتحقيق أهداف سياسية. ولكن هذا الوصف لم يصبح بعد تعريفاً دولياً ملزماً، الأمر الذي يسمح للدول بتعريف الإرهاب وفقاً لمصالحها ومواقفها.
في ظل غياب تعريف دولي متفق عليه، من السهل توسيع تعريف الإرهاب بغية محاربة الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات والانتقاد، واعتبارها تحريضاً على الإرهاب. وهذا سمح لحكومات إسرائيل توسيع تعريف الإرهاب بلغة غامضة وعامة، بحيث تقيد الانتقاد لكل ما يمكن وضعه تحت ذريعة خطر أمني من نشاطات معادية، التي تسبب الضرر للدولة وسياسة حكوماتها.
الإرهاب، حسب تعريف حكومات إسرائيل، ليس مجرد عنف موجه ضد المدنيين، بل هو نشاط غير عنيف موجه ضد سياستها، مثل “الإرهاب السياسي” (التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة) و”الإرهاب القانوني” (تقديم شكوى في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي). وحسب هذه المقاربة، فإن الإرهاب هو كل ما يضر بمصالح دولة إسرائيل ويقوي أعداءها.
ست منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان أخرجت من القانون بذريعة أنها تشكل ذراعاً لـ “الجبهة الشعبية”، وتعمل على الدفع بأهدافها قدماً، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد إسرائيل والقضاء عليها. في الإعلان عن إبعاد منظمة “الحق” عن القانون قيل أيضاً بأن هذه المنظمة تشغلها الجبهة الشعبية للعمل ضد إسرائيل في الساحة الدولية. وقعت “الحق” على دعوى ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. والهيئة الدولية لحقوق الطفل في فلسطين “دي.سي.آي – بي” اعتبرت ذراعاً للجبهة الشعبية.
نشاطات هذه المنظمات ذات أهمية كبرى لحقوق الإنسان، ولكنها وصفت في هذا الإعلان بأنها تستخدم غطاء لنشاطاتها كذراع للجبهة، مع تجاهل نشاطاتها. منظمة حقوق الطفل توثق بشكل منهجي خرق حقوق القاصرين الفلسطينيين في التحقيق، وتمثلهم في المحاكم العسكرية. من تجربتي الطويلة، أشهد بأن تقريراً شاملاً وموثقاً وموثوقاً حول خرق الحقوق قدمته هذه المنظمة لسلطات الدولة، ونوقش بناء على طلب من هذه المنظمة في وزارة الخارجية ومع جهات من الحكم العسكري والمدني. وحسب ما أتذكر، فقد تم استخدامه كأساس لاتخاذ قرار تشكيل محكمة عسكرية للفتيان.
بعد أن ألقى مارتن لوثر كينغ خطاب “أنا أؤمن” المعروف، أعلن عنه رئيس قسم المخابرات في الـ “اف.بي.آي” بأنه تهديد أمني. وقد قال (بترجمة حرة): “يجب علينا أن نصنفه الآن، إذا لم نكن قد فعلنا ذلك حتى الآن، كزنجي خطير جداً على مستقبل هذه الأمة من ناحية الشيوعية والزنوج والأمن القومي”.
في 2021، تعتبر إسرائيل هذه المنظمات التي تخدم حقوق الإنسان الفلسطيني، خطراً على أمن الدولة. لم تكتف باتهام الأشخاص الذين أيدوا أو عملوا من قبل الجبهة الشعبية، أو الذين نقلوا الأموال لهذه المنظمة والذين يمكن تقديمهم للمحاكمة أو اعتقالهم إدارياً على أساس البينات المنسوبة لهم، بل اعتبرت أن المنظمات نفسها، بكل نشاطاتها، هي التي يجب الإعلان عنها كمنظمات إرهابية وخطيرة على أمن الدولة.
معنى إخراج هذه المنظمات خارج القانون هو وقف عمل مئات نشطاء حقوق الإنسان الذين يعملون في نشاطات إنسانية حيوية، وحرمان آلاف الأشخاص من الأدوية، الذين تعمل هذه المنظمات من أجلهم. قد نرى في هذه النتيجة الخطيرة هزة أرضية، وتدميراً آخر للمجتمع المدني الفلسطيني، مثل التدمير الذي كان يمكن أن يحدث لمواطني دولة إسرائيل لو أن منظمة حقوق المواطن ومنظمات حقوق إنسان أخرى كانت قد أخرجت خارج القانون.
للأسف الشديد، هذا تفكير خارج الخطاب الأمني وخارج وعي مواطني إسرائيل. خسارة، لأن الوعي الأمني يأخذ في الحسبان احتمالية أن من سد في وجهه النضال غير العنيف لتحقيق الحقوق، فسيتوجه حتماً إلى الكفاح المسلح في نهاية المطاف. الوعي الأمني هو أيضاً الوعي الذي سيعالج مسألة مصير الديمقراطية في إسرائيل لو أن تم اتخاذ هذه الخطوة “الأمنية” ضد منظمات إسرائيلية. ماذا كان سيحدث لو أن منظمة “آباء ضد اعتقال الأولاد”، التي تنشر معلومات مصدرها منظمة حقوق الطفل التي أخرجت خارج القانون، أو منظمة “يوجد حكم”، التي تقاريرها عن الأضرار الجسدية والنفسية لسكان المناطق على أيدي مواطنين إسرائيليين، ستعتبر تشهيراً بإسرائيل، وسيتم إخراجها أيضاً خارج القانون على اعتبار أنها تشجع على الإرهاب؟
بقلم: يهوديت كراب
هآرتس 7/12/2021

قد يعجبك ايضا