الصحف الإسرائيلية 13-8-2016

شطب خطة توسيع ساحة الحائط الغربي على حساب الحي الاسلامي

بقلم: نير حسون
في شباط 1972 أصيبت الدولة بالهلع. العمال الذين أرسلتهم بلدية القدس لتدعيم مبنى آيل للسقوط في الحي الاسلامي، قاموا بحفر أربعة ثقوب كبيرة في الحائط الشرقي للبيت. وتبين بسرعة أن ذلك الحائط هو الحائط الغربي نفسه وفي المنطقة التي تعرف اليوم باسم “الحائط الغربي الصغير” في شمال ساحة حائط المبكى المعروفة. حاخام الحائط الغربي في حينه مئير يهودا غاتس غضب جدا من الحفر وشبه ذلك بحفر كتاب التوراة، وسارعوا الى جمع الحجارة ووضعها صناديق زجاجية في حائط المبكى الغربي. العنوان الرئيس في صحيفة “معاريف” في اليوم التالي كان: “انفعال شديد في القدس بسبب حرمة المقدسات”. الاحياء الحريدية طلبت القيام “باحتجاج كبير”، ورئيسة الحكومة غولدا مئير قامت بتعيين لجنة لفحص الموضوع.
هذه الحادثة كشفت للجمهور الاسرائيلي بعد الحرب بخمس سنوات عن وجود أجزاء اخرى لحائط المبكى الغربي المختبئة بين منازل الحي الاسلامي. حادثة الثقوب كشفت عن خطة دراماتيكية، كانت معروفة حتى ذلك الحين لعدد قليل من الموظفين ومتخذي القرارات لاقامة ساحة أو ساحات اخرى للحائط الغربي عن طريق هدم بيوت قريبة من حائط المبكى في الحي الاسلامي. بحث جديد أجراه نداف شرغاي – صحافي وباحث معروف في مركز القدس للشؤون العامة والدولة – كشف عن قصة المبكى الصغير وخطة توسيع الساحة باتجاه الشمال.
يبلغ طول حائط المبكى 488 متر. وطول ساحة الصلاة المعروفة يبلغ 57 متر، ومن الجنوب توجد الحديقة الاثرية دافيدسون حيث تضيف للحائط الغربي 81 متر اخرى. اغلبية حائط المبكى بطول 350 يخفى عن العين ويمتد على طول بيوت الحي الاسلامي. عشرات البيوت بنيت عليه. وفي بعض البيوت يعتبر حائط المبكى احد جدران البيت. وساحة المبكى الصغير تختفي بين الازقة على طول 16.4 متر من المبكى الغربي.
في كتاب “المبكى المخفي، قصة حائط المبكى الصغير” من اصدار مكتب بيت ايل قام شرغاي بالتحقيق في تاريخ هذه الساحة، التي لا تقل قدسيتها عن ساحة الحائط الغربي، بل وتتجاوزه حيث أنها اقرب الى الهيكل المقدس في الحرم.
لكن رغم ذلك، ورغم جهود المنظمات والافراد من اجل تحويله الى مكان للصلاة، فان المبكى الصغير بقي “الأخ العاق” حسب اقوال شرغاي، “لحائط المبكى الكبير”: صحيح أنه يمكن الصلاة فيه ولكن لا يمكن اقامة رموز في المكان ولم يتم الاعلان رسميا عن قداسته.
بعد احتلال الحرم والمبكى بيوم في حزيران 1967، وصل الى المكان رئيس الحكومة السابق دافيد بن غوريون. ولاحظ القائد المسن وجود حمامات ترتكز على الحائط الغربي، فسأل مدير سلطة الحدائق القومية في حينه يعقوب يناي، كيف يعقل ذلك. فقال يناي إنه بالامس فقط تم احتلال المكان. “رغم ذلك لا يمكن تحمل الامر”، قال بن غوريون.
كانت الحمامات جزء من الحي السكني القريب من المكان الذي اصبح اليوم ساحة المبكى الغربي. بعد النقاش بيومين وبضغط من رئيس البلدية تيدي كوليك وقائد المنطقة شلومو لاهط تم هدم الحمامات. وبعدها تم هدم 108 بيت. وهكذا وجدت ساحة المبكى المعروفة.
مسألة استمرار الهدم
ولكن في الحاخامية الرئيسية ووزارة الاديان واليمين السياسي لم يكتفوا بذلك وطلبوا الكشف عن اجزاء اخرى مقدسة من الحائط في شمال حي المغاربة. وبدأت اصوات الهدم تزداد بعد الحرب. “كانت الايام الاولى مريحة لذلك”، كتب الحاخام الرئيس السفاردي اسحق نسيم في مذكرة للجنة الوزارية لشؤون الاماكن المقدسة. “كلما مرت الايام كلما اصبح الامر اصعب”. اذا لقد تم كبح عملية الهدم وبدأت النقاشات حول استمرارها. “أنا متأكد أنه في القريب سيتم ترتيب الامر”، كتب في حينه الحاخام الاشكنازي ايسار يهودا اونترمان، “عندها سيملأ الجمهور الخط كله من الزاوية الى الزاوية، ويصلي هناك آلاف الاسرائيليون بشكل دائم”.
وزارة الاديان في حينه طلبت دعم هذه المبادرة ووضعت خارطة تظهر عليها البيوت التي من المفروض أن تهدم. “سيظهر حائط المبكى بكل فخامته. إن الكشف عن المبكى على طوله سيثبت للعالم حقنا في الحرم نفسه، الامر الذي هو ملموس الآن”، هذا ما كتب في احدى الوثائق. وفيما بعد قارنت الوثيقة بين الكشف عن المبكى وبين الاعمال التي قامت بها السلطات البريطانية من اجل ازالة بيوت بنيت بالقرب من سور البلدة القديمة ليصبح مكشوفا.
بدأت الخطط تتجول في الوزارات الحكومية. ومن أراد وقفها كان رئيس قسم الآثار البروفيسور ابراهام بيران حيث قام هو ورجاله بتحضير وثائق نقيضة تتحدث عن اهمية الحفاظ على المباني القديمة على طول المبكى. وقد استمر النقاش سرا الى أن حدثت قضية الثقوب في 1972، عندها ظهر الموضوع. ظهر في اعقاب السؤال هل يجب هدم أو الحفاظ على المبنى الذي بسببه تمت الحُفر منذ البداية، هل يجب الوفاء بالوعد الذي أعطي لعائلة الشهابي التي سكنت فيها وأن تعود الى بيتها.
رئيس حزب حيروت، مناحيم بيغن، كان من المؤيدين للهدم. “السؤال هو هل سيرى الشعب اليهودي في العالم أو لا يرى المبكى الغربي كله”، قال في نقاش في لجنة الداخلية في الكنيست. “لدينا مبكى واحد فقط يجب الكشف عنه، وخلال اجيال حاول اعداءنا هدمه وتدميره، ونحن لم ننجح في فعل أي شيء ضدهم. اليوم ونحن نوجد في القدس فلماذا نقوم بالحاق الضرر بأنفسنا؟”.
أمامه كان رئيس بلدية القدس تيدي كوليك الذي عارض الهدم. “توجد هناك بيوت منذ مئة سنة وأيضا بيوت منذ 800 سنة”، كما ذكر بيغن. “لا نريد الحاق الضرر بمقدسات أحد. ولكن لدينا ايضا قداسة خاصة بنا وعلينا الحفاظ على ذلك – حتى لو كان ذلك يعني اخلاء عدد من البيوت العربية”، أجاب بيغن الذي اقترح تعويض السكان ببيوت بديلة.
“أنا وأمثالي لم نحلم في أن نفوز بما فزنا به فيما يتعلق بالمبكى، على الاكثر كنا نحلم بعودة المبكى الينا كما كان في عام 1948، ولم نفكر بساحات كبيرة حوله”، قال عضو الكنيست آريه لوبا الياف الذي عارض الهدم. “نحن نريد الجلوس لمرة، من اجل التوصل الى حل، تقديم التعهدات والحصول عليها”. وفي نهاية الامر تم السماح للسكان بالعودة ولم يتم هدم منازل اخرى.
الدولة تحت الحدود
“كان ذلك عمليا جدا”، قال شرغاي للصحيفة عن خطة هدم البيوت. “أنت لا ترسل اشخاص لاجراء استطلاع وتحضير خارطة وطرح ذلك أمام وزارة الدفاع اذا لم تكن تريد فعل ذلك. ولكن في نهاية المطاف الدولة تحت خط الحدود بين الحي اليهودي والمبكى الكبير وبين الحي الاسلامي والمبكى الصغير”.
كانت أهمية كبيرة هذا الخط الحدودي في السياسة الحكومية تجاه الحي الاسلامي حتى ايامنا. وخلافا للحي اليهودي الذي اخلي منه آلاف السكان العرب وأعيد بناءه واسكانه من قبل الحكومة، ففي الحي الاسلامي – الذي عاش فيه كثير من اليهود حتى احداث 1929 – تركت الحكومة موضوع السكن في أيدي جمعيات المستوطنين وعلى رأسها عطيرت كوهنيم. الجمعية تحظى بغطاء حكومي، لكنها تقوم بكل شيء بشكل خاص، ومع الوقت نجحت في شراء كثير من البيوت واسكان 1300 يهودي في الحي الاسلامي، ولكن رغم الحقائق لم تنجح عطيرت كوهنيم في شراء بيوت قريبة من الاجزاء الشمالية للمبكى.
في الوقت الحالي نشأ في المبكى الصغير وضع راهن متوتر: يمكن الصلاة فيه ولكن لا يمكن وضع رموز لاماكن الصلاة مثل منصة وكراسي، خزانة لكتب التوراة وغيرها، كل يوم جمعة تقوم الشرطة بوضع الحواجز من اجل عدم اغلاق الطريق من قبل المصلين على العائلات الفلسطينية التي تسكن فوق الساحة. كل عمل، حتى لو كان صغيرا، مثل ازالة القمامة يتحول الى مسألة مصيرية تناقش في اعلى المستويات. وبعد سنوات تم تفكيك السقالات التي أخفت جزء من الحائط ولكن بقيت صفائح حديدية كبيرة تراكمت وراءها القمامة. وحسب الشرطة، الصفائح هي جزء من الوضع الراهن، وازالتها قد تثير المعارضة من قبل الاوقاف والحكومة الاردنية.
إن ما يشير الى هشاشة الوضع القائم هو الحادثة التي وقعت قبل عقد. في رأس السنة في 2006 حدثت في المكان صلاة وشاب يهودي باسم الياهو كلايمن استخدم البوق. الشرطة التي كانت في المكان اعتقلته وصادرت البوق. حيث خافوا من أن المصلين المسلمين في الحرم سيسمعون ذلك (في ذلك العام كان الوقت شهر رمضان) الامر الذي كان سيثير الشغب. السيادة الاسرائيلية ووجود ساحة المبكى لم تمنع شرغاي من المقارنة في كتابه بين هذه الحادثة وبين حادثة مشابهة في 1930 حيث مُنع في حينه الحاخام موشيه سيغل من قبل السلطات البريطانية بعد استخدامه البوق قرب المبكى.
“لقد حققت حلمي حول هذا المكان، أن يعرف الناس أنه قائم، وأنه يوجد مبكى آخر وراء الحي الاسلامي”، قال شرغاي. “أريد منهم المجيء للزيارة وللصلاة وأن يقوموا بازالة القمامة وأن يضعوا اماكن مريحة للصلاة، وفي نفس الوقت يحافظون على الممر للعائلات التي تعيش هناك. لم تسألني اذا كنت اعتقد انه يجب هدم المزيد من البيوت الآن للكشف عن جزء آخر من المبكى. ولمنع سوء الفهم أقول أنا لا اؤيد ذلك”.
هآرتس

قد يعجبك ايضا