عالم المدينِ السعيد
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي …………………..
جلستُ اليوم أقرأ أخبار الناس على مواقع التواصل الإجتماعي وعلى وسائل الإعلام ، فإذا الدنيا قد انقلبت رأسا على عقب ، وإذا بالموازين والأعرف قد إتخربطت واختلت ، وإذا بالدائن صار متهمًا لأنه يطالب بحقه، والمدين بطلاً قوميًا لأنه أتقن فنَّ الاختفاء خلف كلمة “معسر” والإحتماء بتشريع عدم حبس المدين .
فقلت في نفسي: سبحان مبدّل الأحوال!
كنا قديمًا إذا استدان الرجلُ اضطرب نومه، واصفرّ وجهه، وأخذ يعدّ الأيام عدًّا حتى يردّ المال إلى صاحبه، مخافة أن يقال: “أكل أموال الناس”.
أما اليوم، فقد صار بعضهم يستدين كما يتنفس، ويوقّع الشيك كما يوقّع الفنانُ توقيعه لمعجبيه ، ثم إذا جاء موعد السداد رفع حاجبيه في دهشة بريئة وقال:
— أتحبسون إنسانًا لأنه أحبَّ الحياة؟!
يا سيدي، هو لم يحب الحياة وحدها، بل أحب أيضًا أموال الناس وسياراتهم وبضائعهم وأتعابهم!
ثم جاءنا الفلاسفة الجدد، أصحاب القلوب الرقيقة على جيوب الآخرين، فقالوا:
“لا يجوز حبس المدين، لأن السجون امتلأت!”
وكأن المشكلة في امتلاء السجون لا في امتلاء الأسواق بالنصابين!
وكأن الحل إذا كثرت الحفر في الطريق أن نلغي السيارات!
يا قوم، إن التاجر المسكين الذي باع بضاعته بالدَّين ليس بنكًا دوليًا، ولا مؤسسة خيرية، بل رجلٌ ينتظر ثمن بضاعته ليطعم أبناءه، ويسدد إيجار متجره، ويدفع رواتب عمّاله.
فإذا ضاع حقه قيل له:
— كن رحيمًا… فالدنيا ظروف!
أما ظروفه هو، فلا بواكي لها.
وأعجب من ذلك أن بعض المدينين صار إذا رأى دائنه يمشي في الطريق انتفخ صدره، ومشى مختالًا كفاتح الأندلس، لأنه يعلم أن القانون قد أحاطه بسياجٍ من الطمأنينة، فلا سجن يخشاه، ولا حياء يردعه، ولا ضمير يوقظه من سباته العميق.
فيا لروعة هذا العصر!
عصرٌ صار فيه الشريف خائفًا من المطالبة بحقه، والمحتال يشرح للناس حقوق الإنسان!
ولست أدري، لعلهم في المستقبل يصدرون قانونًا جديدًا يمنح المدين وسام الشجاعة لأنه استطاع أن ينجو بعشرين شيكًا وثلاثين وعدًا كاذبًا من قبضة الدائن البائس!
وربما أقاموا له احتفالًا رسميًا، تُعزف فيه الموسيقى، ويُكتب على اللافتة الكبرى:
“هنا نكرّم الرجل الذي أخذ المال… ثم أقنع الجميع أن المطالبة به قسوةٌ لا تليق بالحضارة!”
رحم الله زمنًا كان الرجل يخجل فيه من الدين، قبل أن يأتي زمانٌ صار فيه بعض الناس يخجلون فقط… من السداد.
الكاتب من الأردن