المعتصم خلف: دوائر في فناجين القراء الجدد
المعتصم خلف
القراءة هي فعل حرّ وملتبس وقد يؤدي للاكتئاب والانتحار… ولكنهُ لا يساعد أحداً على الطيران ولا يوجد بهِ أي شاعرية إلا إذا تقمصت دور الضحية أو تبادلت الحديث مع الأبطال إلى أن يصرخوا بك “ماذا تفعل يجب أن تسير بنا الأحداث”.. ولا أعلم من جمع بين القراءة و الشتاء مع أنه يمكنك القراءة في الصيف والخريف وفي ما بين الفصول دون أعراض جانبية أو حالات اختناق ولا أعلم من جمع بين القراءة والواجهة البحرية أو شبابيك الغرف المنزلية مع أنه يمكنك القراءة في الحدائق وفي القطارات المزدحمة وفي الحمامات العامة… ومن الطبيعي أن تقترن القراءة مع القهوة ولكن لا أعلم من نصّ قانون أن تكون “سادة”… مع أنه يمكنك أن تشرب فنجان قهوة “حلو” مع كتاب لسارتر أو شكسبير أو حتى محمد الماغوط المعروف بقهوته السادة دون أن تصيبك أعراض البرد أو الحمى…
لكل مرحلة زمنية قرّاؤها الذين يختلفون بحسب الحالة الاجتماعية والسياسية وحتى التكنولوجية ولكن هذه المرحلة تحديداً تدخل نسقاً جديداً من هيكلية القارئ العربي التي تأخذ عدة أشكال مختلفة…
وللأسف أصبح القارئ العربي مع انتشار وسائل الراحة التي توفرت لهُ في هذا العصر يفضل الكتب البسيطة والقصيرة والمبنية على الجمل السهلة التي لا تحتاج إلى معجم أو دليل أو مفاتيح لقراءتها فمثلًا أغلب “القراء” المنتشرين لا يقرؤون كل ما كتبهُ محمود درويش لأن قراءتهُ تحتاج إلى قراءة العهد القديم والحديث من الإنجيل ولقراءة عميقة في الميثولوجيا ليستطيع القارئ فهم كل ما يدور في فلك محمود درويش وأكبر دليل على كلامي قصيدة “درس من كاما سوطرا” المنتشرة باسم “انتظرها” على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى محركات البحث وهذا دليل خطير على أمرين : إما أن القراء الحقيقيون مغيّبون وإما أن القراء الجدد أغلبهم بهذا المستوى.. وحتى أنهم لا يعرفون قصة “كاما سوطرا” ولا مصدر الكلمة..
ومن أشكال القراء المنتشرين حالياً عشّاق “النوستالجيا” أو الحنين إلى الماضي الذين يضربون عن قراءة كتب الpdf ويميلون لقراءة الكتب القديمة وإلى نسخ الكتب القديمة ذات الورق الأصفر التي تعتمدها دور النشر حالياً لإرضاء ذوق القارئ المتعصب لطقوس قراءته التي تعتمد على شروط معينة وأغلب هؤلاء القراء اليوم يعتمدون المدارس الكلاسيكية في بناء نظرياتهم الثقافية ويرفضون كل من يخرج عنها وكل مشروعهم هو المحافظة على رونق اللغة العربية وعلى شكل الجملة العربية التي رأت أوجه بنائها في القرن الماضي وحتى بداية هذا القرن ويعتمد فكرهم على هدم الجسور التي تمهد للغة جديدة أو فكر جديد يليق بمرحلة انتقالية في الرواية العربية أو الجملة الشعرية لذلك تعتبر الكتب الجديدة التي يكتبها الكتاب الشباب الجدد إما تقليداً للماضي وهي مرفوضة وإما خروجاً عن النسق العام للرونق الذي تحدثت عنهُ وبالتالي هي مرفوضة أيضاً لأنها جسر يمهّد لمرحلة جديدة من اكتشاف لغوي أو سردي في اللغة العربية..
قراء مجموعات الفيس بوك.. هذه الطبقة من القراء التي تعتمد على الكتب البسيطة جداً أو الكتب التي لا نعرف من كتبها ولا كيف كتبت ولا لماذا كتبت, وأنا هنا لا أرتدي عباءة الرفض لكل ما هو جديد في عالم الكتب ولكن الكتب التي تنتشر في تلك المجموعات لها شكلها الخاص وعناوينها الواضحة التي تأخذ شكلاً يقول لك بأن بالأمر خطأ ما فأغلب هذه الروايات أو الكتب تعتمد على رومانسية مشبعة جداً بالتطرف اللغوي المشبوه بالتدفق الغرامي الزائد وفي كل فترة من العام تضج هذه المجموعات باسم كاتب معين ففي كل فترة ستسمع اسم كاتب لأول مرة وتتبدل الأسماء والهامات والأقلام مع فصول العام… والمصيبة أن أغلب رواد المجموعات هم من غير الملمين بالأدب العالمي أو الكلاسيكيات العربية كأقل تقدير فأغلب الرواد يكون ممن تربوا أدبياً على تلك الكتب التي انتشرت ضمن حدود المجموعة التي اشتركوا فيها, وهذه المجموعات تأخذ شكلين إما التعصب الأدبي الكلاسيكي الكاريكاتيري الذي يطبق قواعد القهوة في الصور واللغة الفصحى والجدية المعتمدة على ماكيير ماهر في كواليس مسرح المجموعة المشترك بها, وإما تعصباً ساخراً يعتمد على الاستهزاء من صور التعصب الأول وأغلب رواد هذا النوع من المجموعات يكون طلاب المعاهد المسرحية والتمثيلية الجدد الذين يظهرون بصورة القراء الكارهين لعادات القهوة والمندمجين بكتب وروايات علم النفس الأوروبية والقصص الروسية القصيرة التي تعتمد على فن فهم الذات والخروج عن منطق المفهوم العام مثل قصة الأنف لغوغول مثلاً, وحتى أن أسماء هذه المجموعات تأخذ أسماء غريبة في مجمل الحال تظهر للزائر الجديد درجة السخرية الذي يقدمها القائمون على المجموعة, وأقوى النقط التي يعتمدها المتمسكون بهذه المجموعات ندرة الحديث عن الأدب العربي ورفض مجمل الأعمال العربية وحتى التي أثبتت جدارتها وحتى لو تم الحديث عنها فيتم الحديث بسطحية جداً أو باستهتار واضح لأنها لا تنطبق مع قراءتهم التي تعتمد على فن الاختلاف والخروج عن الدائرة التي تكسر جدية الأدب…
بالتأكيد هذا التصنيف قابل وبقوة لكل حالات الخطأ ولابد من وجود شخصيات ومجموعات وصفحات وكتاب خارج هذه الدائرة التي حددتها, ولكن بشكل عام فإن القارئ العربي يأخذ منحى جديداً في هذا القرن مع كتاب هذا الفترة ولا أعلم كيف كان يستقبل القارئ العربي في القرن الماضي ولكن متأكد أنه الآن يصنف تحت ظل واحد من هذه التصنيفات التي حددتها لدرجة أن بعض الأصدقاء القراء الحقيقيين أصبحوا لا يقدمون أنفسهم كقراء أو كتاب أو مثقفين في بعض المجتمعات والتجمعات مع الأشخاص الجدد في بعض المقاهي خوفاً من النظرة التي تضيق بها الأعين لتأخذ الهيئة تصنيفها العام في مجمل الصفوف التي ذكرتها…
