فادي السمردلي يكتب: هل دخل الأردن مرحلة الحرب المفتوحة مع مافيا الكبتاغون؟
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم تعد قضية المخدرات بالنسبة للأردن مجرد عمليات تهريب متفرقة على الحدود الشمالية، أو مطاردات روتينية بين حرس الحدود ومجموعات خارجة عن القانون فما يحدث اليوم أكبر بكثير من ذلك، وأخطر بكثير أيضًا فالأردن يبدو وكأنه دخل فعليًا مرحلة جديدة عنوانها الحرب المفتوحة مع مافيا الكبتاغون في الجنوب السوري.
الضربات الجوية الأردنية الأخيرة داخل الأراضي السورية لم تكن مجرد رد فعل عسكري عابر، بل رسالة سياسية وأمنية واضحة تقول إن عمّان لم تعد مستعدة لانتظار الخطر حتى يصل إلى داخل حدودها فالدولة التي التزمت لسنوات طويلة بضبط النفس، والعمل الأمني الهادئ، وصلت إلى قناعة أن التهديد تغيّر حجمه وطبيعته، وأن ما يجري على حدودها الشمالية لم يعد تهريبًا تقليديًا، بل مشروع فوضى متكامل يمتلك المال والسلاح والحماية والغطاء السياسي.
خلال السنوات الماضية، تحولت سوريا إلى مركز عالمي لإنتاج الكبتاغون، وسط انهيار الدولة، وتفكك المؤسسات، وانتشار المليشيات وشبكات التهريب العابرة للحدود ومع سقوط نظام الأسد، اعتقد كثيرون أن هذا الملف سيتراجع تلقائيًا، لكن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا فالشبكات لم تختفِ، بل أعادت ترتيب نفسها بسرعة، وانتقلت إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.
الأردن يدرك جيدًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في دخول المخدرات إلى أراضيه، بل في النتائج التي تتركها هذه التجارة على المجتمع والدولة معًا فالكبتاغون ليس مجرد حبوب مخدرة، بل اقتصاد أسود ضخم قادر على صناعة مليشيات، وشراء ولاءات، وتمويل الفوضى، وإغراق المجتمعات بالعنف والانهيار ولهذا لم يعد التعامل الأردني مع الملف أمنيًا فقط، بل أصبح جزءًا من معركة تتعلق بحماية الاستقرار الوطني نفسه.
اللافت أن التطورات الأخيرة في الجنوب السوري رفعت مستوى القلق الأردني إلى درجات غير مسبوقة فالجنوب لم يعد مجرد منطقة مضطربة أمنيًا، بل ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية معقدة، تتداخل فيها الجماعات المسلحة، والمصالح الدولية، والحسابات الإسرائيلية، ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض السورية.
عمّان تنظر بقلق واضح إلى أي محاولة لإقامة كيانات منفصلة أو جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة السورية قرب حدودها وبالنسبة للأردن، المسألة ليست شأنًا سوريًا داخليًا فقط، بل قضية ترتبط مباشرة بأمنه القومي فكل فراغ أمني في الجنوب السوري يعني بالضرورة مزيدًا من التهريب، والسلاح، والفوضى العابرة للحدود.
ولهذا يمكن فهم الرسائل التي حملتها الضربات الأردنية الأخيرة بان الدولة أرادت أن تقول بوضوح إن قواعد الاشتباك تغيّرت، وإن سياسة “الاحتواء” لم تعد كافية فالأردن اليوم يتحرك بعقلية الردع الاستباقي، لا انتظار الخطر حتى يقع.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بالحدود أو بالمواجهات العسكرية فالخطر الحقيقي يكمن في أن المنطقة كلها تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي وأمني معقدة جدًا فسوريا ما تزال ساحة مفتوحة، وإسرائيل تتحرك وفق حساباتها الأمنية الخاصة، وإيران حاضرة عبر نفوذها القديم، فيما تحاول دول المنطقة حماية نفسها وسط مشهد شديد السيولة.
في قلب كل ذلك، يجد الأردن نفسه أمام معادلة صعبة كيف يحمي حدوده دون الانجرار إلى فوضى إقليمية أوسع؟ وكيف يواجه شبكات تمتلك المال والسلاح والقدرة على التكيّف السريع؟
الواضح أن عمان اتخذت قرارها بالفعل فالرسالة الأردنية الأخيرة لم تكن موجهة فقط لتجار المخدرات، بل لكل من يعتقد أن الحدود الشمالية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضغط على الدولة الأردنية أو ساحة ابتزاز سياسي وأمني.
ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس هل يخوض الأردن حربًا ضد المخدرات؟ بل إلى أي مدى يمكن أن تمتد هذه الحرب في منطقة لم تعد تعرف الاستقرار أصلًا؟
الكاتب من الأردن