جريمة هزّت إربد… والقاتل عاد بقدميه إلى العدالة
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي .
…………..
( قد تتأخر العدالة ولكنها لا تغيب )
تفاجأتُ بحجم صدمة الشعب الأردني عندما نشرتُ مختصرًا عن قضية حدثت قبل نحو ستة عشر عامًا. وكانت نيتي من النشر أن أوضح أن المجتمعات، في الماضي والحاضر والمستقبل، قد تشهد جرائم بشعة لا يمكن توقّعها، سواء من حيث بشاعتها بحق الضحايا أو من حيث طبيعة المجرمين الذين يرتكبونها.
إلا أن ما اختلف اليوم عن الماضي هو وجود التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تسارعت وتطورت حتى أصبح انتشار الخبر سريعًا وموثقًا، وقد يكون أحيانًا مزيفًا وغير صحيح بهدف جلب المشاهدات والإعجابات.
ومع ذلك، ورغم أنني لم أدخل في التفاصيل التي قد ترعب القارئ حول بعض الجرائم، فإنني أؤمن بالعدالة الإلهية، حتى وإن غابت العدالة الوضعية أحيانًا نتيجة تعقيدات التشريعات أو قصورها، أو بسبب الواسطة التي قد تقلب الحقوق، فتُحوِّل الضحية إلى متهم، والمجرم إلى ضحية.
وإليكم هذه القصة التي أشرفتُ على تفاصيل نهايتها:
في عام 1989، وقعت جريمة ارتكبها عامل وافد حاول سرقة منزل ليلًا في مدينة إربد، معتقدًا أن المنزل خالٍ من السكان. لكنه تفاجأ بوجود الزوجة، بعدما كان زوجها قد هاجر إلى الولايات المتحدة تاركًا معها طفلتين؛ إحداهما تبلغ خمس سنوات، والأخرى ثلاث سنوات.
وعندما انتبهت الزوجة لوجود السارق وحاولت منعه، قام بضربها على رأسها بأداة حادة أمام طفلتيها، ثم لاذ بالفرار، لتفارق الحياة على الفور.
هزّت الجريمة الحي وجزءًا كبيرًا من مدينة إربد، وعُثر في مسرح الجريمة على بصمات وآثار دم تعود للقاتل. وعلى إثر ذلك، قامت مديرية الشرطة بجمع المشتبه بهم وكل من وردت أسماؤهم في التحقيقات، وأُخذت بصماتهم وعينات منهم لمطابقتها مع ما وُجد في مسرح الجريمة، كما تم التحفظ على جوازات سفر الوافدين والهويات الشخصية للأردنيين، وكان القاتل الحقيقي من بينهم.
لكن كثرة العينات التي جُمعت آنذاك أربكت العاملين في المختبر الجنائي، وأدّى ذلك إلى عدم التدقيق الكافي في الفحوصات والمعاينات، فتم فحص بصمة القاتل وعينة دمه دون التأني المطلوب، وكانت النتيجة سلبية، ولم يُكشف القاتل.
وفي عام 1991، كانت مديريات الشرطة في محافظات إربد والشمال تنظم حملات لملاحقة المطلوبين، تبدأ من الساعة العاشرة مساءً وحتى الثالثة فجرًا، مع إعداد ضبوطات بنتائج تلك الحملات.
وبعد انتهاء إحدى الحملات، تلقّت الشرطة بلاغات من مواطنين عن لص يتنقل فوق أسطح المنازل في منطقة حوارة، بينما كان الأهالي يطاردونه. وكان هناك ملازم يُدعى خالد الجعافرة الحباشة قريبًا من المنطقة بسيارة النجدة، حيث تمكن من ضبط اللص وإحضاره للتحقيق.
الغريب في الأمر أن اللواء المتقاعد عبد المهدي الضمور، الذي كان حينها برتبة نقيب، اشتبه في أن هذا اللص قد شاهده سابقًا، رغم أن جواز سفره يُظهر أنه دخل الأردن قبل يومين فقط.
لكن حنكة عبد المهدي باشا دفعته للعودة إلى السجلات والجوازات المحجوزة على خلفية القضية القديمة، ليكتشف وجود جواز السفر ذاته، مع اختلاف في اسم الأب، إذ تم تغييره من “عبد الحليم” إلى “عبد اللطيف”.
عندها أُرسلت عينات جديدة منه للمطابقة مع أدلة الجريمة، فظهرت النتيجة مطابقة، واعترف بارتكابه جريمة قتل المرأة، كما تعرّفت عليه الطفلتان.
وتبيّن أن القاتل كان قد هرب من الأردن بعد الجريمة، من خلال سرقة جواز سفر يعود لمواطن من بلده، ووضع صورته مكان صورة صاحب الجواز. لكن صاحب الجواز الحقيقي اكتشف الأمر واشتكى عليه، فتم إبعاده من الأردن إلى بلده، وهو ما كان يسعى إليه خوفًا من نتائج العينات التي أُخذت منه.
وبعد اعترافه بالجريمة، قال القاتل عبارة لا تزال عالقة في الذاكرة:
“إن الله هو الذي أعادني إليكم، بعدما حاولت السرقة بعد ليلة واحدة فقط من عودتي إلى الأردن، ليتم القبض عليّ في جريمة المرأة التي قُتلت أمام طفلتيها.”
قد تتأخر العدالة… لكنها لا تغيب.
الكاتب من الأردن