فادي السمردلي يكتب:جيل أردني كامل يشعر أنه خارج اللعبة
,بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في الأردن اليوم، هناك شعور ثقيل يكبر بصمت داخل جيل كامل من الشباب شعور لا يظهر دائمًا في التصريحات أو الأرقام الرسمية، لكنه حاضر بقوة في الجامعات، والمقاهي، وصفحات التواصل الاجتماعي، وحتى في الجلسات العائلية اليومية فكثير من الشباب لم يعودوا يشعرون أنهم جزء من المستقبل، بل مجرد متفرجين على حياة تتحرك من حولهم دون أن يجدوا مكانهم فيها.
المشكلة لم تعد فقط في البطالة، رغم أنها واحدة من أعلى الأزمات ضغطًا وخطورة فالقضية أعمق من وظيفة مفقودة أو راتب ضعيف هناك حالة إحباط عامة تتشكل بهدوء، لأن آلاف الشباب يشعرون أن الطريق الطبيعي للحياة أصبح مغلقًا أو شديد الصعوبة.
الشاب الذي يدخل الجامعة اليوم لا يفكر كثيرًا بالحلم أو الطموح كما كان يحدث قبل سنوات وأول ما يفكر به هو هل سأجد عملًا أصلًا؟ وهل سيكون الراتب كافيًا للحياة؟ وهل سأستطيع يومًا أن أتزوج أو أشتري بيتًا أو أبني مستقبلًا طبيعيًا داخل هذا البلد؟
هذه الأسئلة لم تعد فردية، بل تحولت إلى مزاج عام كامل فجيل كامل يعيش اليوم بين ضغط اقتصادي خانق، وسوق عمل محدود، وارتفاع هائل في تكاليف الحياة، وشعور متزايد بأن الفرص لا تُوزع دائمًا بعدالة وكثير من الشباب يشعرون أن التعب وحده لم يعد كافيًا، وأن الكفاءة لم تعد تضمن شيئًا، وأن الطريق أصبح أطول وأقسى من قدرة الإنسان العادي على الاحتمال.
ولهذا لم يعد غريبًا أن تتحول فكرة الهجرة إلى حلم جماعي تقريبًا فآلاف الشباب الأردنيين لم يعودوا يبحثون عن “الرفاهية” خارج البلد، بل عن فرصة لحياة مستقرة فقط وظيفة محترمة، دخل ثابت، ومستقبل يمكن توقعه دون خوف دائم من الغد.
الأخطر أن هذا الإحباط لا يظهر دائمًا بشكل صاخب ففي كثير من الأحيان، يتحول إلى انسحاب هادئ من الحياة العامة شباب يفقدون الحماس للمشاركة، أو للاهتمام بالشأن العام، أو حتى للتخطيط طويل المدى. يعيشون يومهم فقط، ويحاولون النجاة نفسيًا واقتصاديًا، دون قناعة حقيقية بأن القادم أفضل.
الجامعات نفسها أصبحت تعكس هذا المزاج بوضوح فكثير من الطلبة يدرسون تخصصات لا يحبونها أصلًا، فقط لأنها قد تمنح فرصة عمل وآخرون ينهون سنوات الدراسة وهم مقتنعون مسبقًا أن الشهادة وحدها لن تغيّر شيئًا أما الذين يدخلون سوق العمل، فيصطدمون سريعًا برواتب ضعيفة، وضغط هائل، وفرص محدودة للنمو أو الاستقرار.
وفي ظل هذا المشهد، أصبحت السوشال ميديا ملاذًا نفسيًا لكثير من الشباب فهناك يراقبون حياة أخرى تبدو أسهل وأوسع وأكثر عدالة، فيزداد شعورهم بالاختناق داخل واقعهم المحلي والمقارنات اليومية مع العالم الخارجي لم تعد ترفًا، بل أصبحت مصدرًا دائمًا للضغط والشعور بالفجوة.
لكن المشكلة ليست اقتصادية فقط فهناك فجوة متزايدة أيضًا بين الشباب والخطاب التقليدي الذي يُقدم لهم وكثيرون يشعرون أن أحدًا لا يسمعهم فعلًا، وأن مشاكلهم تُناقش بلغة بعيدة عن واقعهم الحقيقي وحين يشعر جيل كامل أن صوته غير مسموع، يبدأ تدريجيًا بفقدان الانتماء العاطفي للمشهد كله.
ورغم كل ذلك، ما يزال هذا الجيل يمتلك طاقة ضخمة جدًا فالشباب الأردني أثبت في مجالات كثيرة أنه قادر على الإبداع والنجاح والمنافسة حين يحصل على الفرصة الحقيقية في التكنولوجيا، والعمل الحر، وريادة الأعمال، وحتى في المحتوى الرقمي، هناك قصص نجاح واضحة ولكن المشكلة أن هذه النجاحات ما تزال فردية، بينما الإحباط الجماعي أكبر وأوسع.
الدول لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها أو أرقام اقتصادها، بل بقدرتها على منح شبابها شعورًا بالأمل لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الفقر وحده، بل أن يفقد جيله الجديد الإيمان بأن له مكانًا في المستقبل.
اليوم، كثير من الشباب الأردني لا يشعرون أنهم داخل اللعبة أصلًا فيشعرون أن الحياة أصبحت سباقًا طويلًا بقواعد غير عادلة، وأنهم يبذلون جهدًا هائلًا فقط للبقاء واقفين في مكانهم.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الأردن لم يعد اقتصاديًا فقط، بل نفسيًا واجتماعيًا أيضًا فكيف يمكن إعادة الأمل لجيل يشعر أن الأحلام أصبحت أكبر من قدرته على الوصول إليها؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بالبقاء مؤمنين بالمستقبل، إذا كانوا لا يرون ملامحه بوضوح أمامهم؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل قضية تمس مستقبل البلد نفسه.
الكاتب من الأردن