التحرش… جريمة تهدم الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتورة عبير بني طه  …..

 

لم يعد التحرش سلوكًا عابرًا أو مشكلة تخص فئة معينة، بل أصبح ظاهرة موجودة في أماكن متعددة وبأشكال مختلفة، ويمكن أن يصدر من أي شخص بغضّ النظر عن منصبه أو مهنته أو صورته الاجتماعية. فالتحرش لا يرتبط بمهنة بعينها، بل يرتبط بضعف الضمير، وغياب القيم، وتراجع التربية القائمة على الاحترام والوعي والمسؤولية.

ومن خلال التعامل مع حالات متعددة، يتضح حجم الأثر النفسي العميق الذي يتركه هذا السلوك في حياة الضحية؛ إذ لا ينتهي الأذى عند لحظة التحرش، بل قد يمتد لسنوات طويلة على شكل خوف وقلق وانعدام ثقة بالنفس واضطرابات نفسية واجتماعية تؤثر على الدراسة والعمل والعلاقات والحياة بشكل عام.

للتعرض للتحرش صور متعددة؛ فقد يكون بالكلام أو النظرات أو الرسائل أو اللمس أو الابتزاز أو استغلال السلطة والمكانة. كما أن الاعتقاد بأن التحرش محصور في أماكن معينة غير صحيح، إذ يمكن أن يحدث في الشارع أو المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل، وحتى داخل بعض البيوت. لذلك فإن المشكلة أعمق من كونها حادثة فردية، بل هي أزمة أخلاق وتربية ووعي.

وعند العودة إلى جذور المشكلة، نجد أن التربية تلعب الدور الأهم؛ فالتنشئة القائمة على الإهمال، وغياب الحوار، وضعف الرقابة، وعدم تعليم احترام حدود الآخرين، كلها عوامل تساهم في تشكيل سلوكيات منحرفة. كما أن غياب القيم الدينية والأخلاقية القائمة على الرحمة والضمير يعزز هذا الانحراف السلوكي.

لقد تناولنا سابقًا مسألة التقليد الأعمى وضياع القيم، ونرى اليوم نتائج ذلك بوضوح، حيث يؤدي فقدان المبادئ والانجراف وراء السلوكيات الخاطئة المنتشرة عبر بعض الوسائل إلى تراجع الإحساس الإنساني تدريجيًا.

المتحرش لا يؤذي فردًا واحدًا فقط، بل يهدد مجتمعًا كاملًا؛ فهو يزرع الخوف ويقوض الشعور بالأمان، وقد يترك آثارًا تمتد عبر الأجيال. والأسوأ أن استمرار هذا السلوك دون معالجة يعيد إنتاج بيئات أسرية مضطربة.

إن مواجهة التحرش لا تكون بالصمت أو التبرير، بل تبدأ بالوعي والتربية السليمة وتعزيز القيم، إضافة إلى تعليم الأبناء منذ الصغر معنى الاحترام والحدود. كما يجب دعم الضحايا نفسيًا وعدم تحميلهم أي ذنب، لأن الصمت يزيد المشكلة تعقيدًا.

نحن بحاجة حقيقية إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل؛ بناء قائم على القيم والرحمة والضمير واحترام الآخر. فالمجتمع لا يُبنى بالشهادات والمظاهر فقط، بل بالأخلاق والوعي والمسؤولية.

وإلى متى يبقى هذا الضياع؟

السؤال الحقيقي ليس: أين يحدث التحرش؟

بل: أين التربية التي تمنع الإنسان من أن يصبح مؤذيًا لغيره؟

بقلم: الدكتورة عبير بني طه

الكاتبة من الأردن

قد يعجبك ايضا