أزمة تعديل الكتب المدرسية: دعوة للحوار بعيدا عن الاضرار بالتعليم

شبكة وهج نيوز : دعا خبراء تربويون جميع الأطراف المعنية بالعملية التعليمية إلى “تدارك” الأزمة المشتعلة حاليا حول تعديلات الكتب المدرسية، والتي تشهد تصعيدا واستقطابا سلبيا، في ظل الدعوة للاعتصامات والاضراب في المدارس بدعوى خروج الكتب المدرسية المعدلة عن القيم والثقافة العربية الإسلامية، وهي التهمة التي تنفيها وزارة التربية والتعليم والعديد من الخبراء والمختصين.
وحض هؤلاء الخبراء وزارة التربية ونقابة المعلمين على الحوار “إلى أبعد مدى” تجاه تعديلات الكتب الجدلية، وتجنب التصعيد، الذي يضر بمصلحة الطلبة والعملية التعليمية. وقالوا أن الاختلاف في الرأي والاجتهادات “حله النقاش البناء، لا التصعيد، الذي لا يخدم العملية التعليمية”.
وبينوا أن هناك نقاط التقاء دائما، ما دامت المصلحة العليا هي الأساس والقاعدة.
واقترح عدد منهم مشاركة المعلمين والمشرفين التربويين في عملية التطوير، بحيث تشرف عليهم لجنة من خارج وزارة التربية، وتعرض على مجلس التربية والتعليم، باعتباره صاحب الولاية في عملية تعديل المناهج، “حتى لا تنفرد جهة في عملية التغييرات”.
يأتي حديث هؤلاء الخبراء لـ”الغد” على خلفية تفاعل أزمة تعديل الكتب المدرسية، حيث نظمت فعاليات نقابية وتعليمية اعتصامات للمطالبة بالغاء التغييرات، التي رأوا فيها “استهدافا لقيم دينية وثقافية”، بينما وجدها آخرون “تطويرا وانها لم تمس الثقافة والقيم الدينية”.
فيما انزلق الحوار والتباين في الاراء حول تعديلات المناهج في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض التصريحات إلى توجيه اتهامات التخوين والتكفير والحض على العنف، بحسب مراقبين، وهو الامر الذي اجمع الخبراء الذين تحدثوا لـ”الغد” على رفضه والتحذير منه.
وزير التربية والتعليم الاسبق فايز السعودي اقترح ان يتم تفريغ الكتب من الانشطة والامثلة، وأن يترك للمعلم الدور في مسألة اختيار بعض الماثورات من القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، واحداث المجتمع والشخصيات البارزة، كانشطة وامثلة للنقاش، باعتبار ذلك من “مسؤولية المعلم”.
واعتبر السعودي ان ما حدث في الكتب المدرسية “ليس تطويرا للاسف الشديد، بل الرجوع عن تطوير المناهج من اقتصاد المعرفة الى مناهج تقليدية”، وقال “تحديث المنهاج والكتاب المدرسي لا يعني تجاوز المعلم، وهو معني بالمحتوى التدريسي فيها”.
وطالب السعودي باعادة النظر في الكتب المدرسية الجديدة، من حيث مضمونها ومحتواها، لتتضمن “مفاهيم اساسية توليدية، بمعنى انه لا داعي للانشطة والمؤثرات الاخرى والاسئلة والامثلة، والتي تترك لمسؤولية المعلم”.
وبين ان الكتاب المدرسي هو “وسيلة لتحقيق هدف من المناهج، التي تعكس قانون التربية والتعليم”، معتبرا ان ما جرى من تعديلات “تخبطا في تطوير المناهج، والرجوع عن تطوير التعليم نحو اقتصاد المعرفة، الذي حدث في العام 2002 والعودة الى ما قبل 30 عاما”.
وقال “اعتقد ان المطلوب الآن اختيار خبراء في المناهج من الجامعات الأردنية، وخبراء في تصميم التدريس، ومثلهم في علم النفس وعلم الاجتماع، ومختصين في المادة الدراسية، وعدد من المعلمين، لوضع المناهج الحقيقية بحيث يحتوى الكتاب فقط على المفاهيم الاساسية، ويترك للمعلم ان يختار الامثلة والانشطة المناسبة لمنطقته”.
ودعا السعودي وزارة التربية للعودة إلى الكتاب المدرسي القديم، و”العمل بشكل متواز على اختيار لجان، وفق معايير معينة لتطوير المناهج والكتب المدرسية، لتكون مواكبة للتطور ولحاجات المجتمع الأردني، ولخبرات الطلبة في المناطق التي يعيشون بها”.
وأكد أن المعلم “جزء اساسي من المنهاج، لا يجوز اعطاؤه وصفات جاهزة لتدريسها في هذا الوقت، فالمعلم في دول العالم هو من يضع المحتوى التدريسي، بحيث يكون مناسبا للمكان والزمان وللاحداث الاجتماعية التي تحدث، فلا يجوز تقييده بمحتوى معين، في ظل تضاعف المعرفة كل سنتين”.
ودعا الى ان يوضع المحتوى التفصيلي والانشطة “وفقا لمعايير معينة من قبل المعلم، بعد تدريبه بشكل جيد، وبما يضمن ان يسير المعلم وفق خط معين يتفق مع فلسفة الوزارة وثقافة المجتمع العربية والاسلامية”.
وأكد السعودي على ضرورة العودة إلى الكتب المدرسية القديمة، وإعادة النظر في الكتب المدرسية التي طورت مؤخرا، لتكون مواكبة للنتاجات التعليمية التي وضعت في العام 2002، حيث أن دور النشر اصبحت تؤلف الكتب في كثير من دول العالم، فالوزارة فقط تضع معايير المنهاج والنتاجات التعليمية المطلوبة، وامثلة التقويم والتوقعات المبتغاة”.
وشدد على ضرورة وضع معايير مناهج دقيقة، من خلال خبراء في المناهج وعلم النفس وعلم الاجتماع وتصميم التدريس، لافتا إلى أن هذا الامر “لم يجر، ولم تستعن به من وزارة التربية خلال السنوات الثلاث الماضية”، معبرا عن اعتقاده أن المشكلة هي في “عدم وجود وعي ومعرفة تامة في آليات تطوير المناهج بطريقة تواكب التطورات في العالم”.
من جهته، رأى وزير التربية والتعليم الاسبق فواز جرادات ايضا أن “التعديلات التي ادخلت على الكتب المدرسية هي اجراءات شكلية على بعض الكتب”.
وقال إن ما جرى “لا يمكن اعتباره تجديدا أو تطويرا، لان التطوير له منحى ومنهج آخر، يختلف عما قامت به وزارة التربية والتعليم”.
وأكد على ضرورة ان تخضع الاجراءات التي قامت بها الوزارة لعملية تحليل محتوى، والمقارنة الحقيقية بين ما تم وما كان، بطريقة علمية، على ان يتم اطلاع المجتمع الأردني على نتائج هذا التغييرات، بحيث يقوم على هذه العملية أشخاص باحثون مهنيون ومتخصصون، “يحددون ما تم تعديله وتغييره في هذه الكتب، ويعرضونها للمجتمع، وبالتالي يكون هناك تقييم لهذه الاجراءات بطريقة علمية، وما اذا كانت قد صبت هذه التغييرات في صالح المناهج ام غير ذلك”.
ودعا جرادات وزارة التربية إلى ضرورة أن تعلم المجتمع بانه سيكون هناك تغييرات على المناهج، وان يشارك في عملية التطوير المعلمون والمشرفون التربويون، بحيث تشرف عليهم لجنة خارجية، وتعرض على مجلس التربية باعتباره صاحب الولاية في عملية تعديل المناهج “حتى لاتنفرد جهة في عملية التغييرات”.
ورأى أن المعلمين هم ادرى بالتطوير أو التغيير المنشود، لافتا إلى أن عملية التطوير “عملية مستمرة، وأن التغيير له مبررات، يدركها المتخصصون بشكل جيد، ومعظمها ملاحظات من الميدان، كون المعلمين هم الادرى بطبيعة هذه الكتب، وبالتالي التغييرات المطلوب احداثها، لانهم يتعاملون مع الكتب بشكل يومي، فينبع دائما التغيير بشكل اساسي من الميدان”.
ومع ذلك، فان جرادات يرى أن هذه الحقيقة “لا تعني ايضا عدم وجود مبادرات من قبل الوزارة لاحداث التطوير المنشود”.
وطالب جرادات نقابة المعلمين بـ”التروي” في مواقفها واحتجاجاتها، وان “تعالج المسألة بهدوء وعقلانية، وخصوصا ان المعلمين على درجة عالية من الموضوعية، وحريصون على انجاح العملية التعليمية، حتى لا يضيع العام الدراسي”.
واشار إلى أن الأمور “لا تحل بالاعتصامات والاضرابات، وانما تحل بطريق النقاش والتواصل، كون الاعتصامات تضر بالعملية التربوية، وان العقل يجب ان يسود الموقف بهذا المجال”.
وبين أن في الأردن العديد من الباحثين والمختصين، الذين يستطيعون تقديم الصورة الحقيقية لهذه التغييرات، “واذا كان هناك تغييرات تمس الهوية الوطنية وقيمنا الإسلامية فعلى الوزارة ان تتراجع عنها”.
بينما أكد نقيب المعلمين السابق مصطفى الرواشدة انه “مع التنوير والتطوير للمناهج والكتب المدرسية، ومواكبتها للحداثة والعصر، خاصة فيما يتعلق بالمباحث العلمية”.
لكن الرواشدة اعتبر ان ما قامت به الوزارة “لا يندرج في هذا السياق على الاطلاق، وان ما قامت به هو مجرد سحب واضافة، بمعنى ان الهدف الجوهري او الغاية من تطوير المناهج، لم يتم العمل به حتى اللحظة”.
واضاف الرواشدة “اذا اردنا تطوير الكتب المدرسية، فعلينا تطوير المعلم، فهناك معادلة تقول: (معلم جيد + منهاج سيئ = طالب جيد)”.
وحمل الرواشدة وزارة التربية مسؤولة الجدل الواسع حول الكتب المدرسية الدائر حاليا، وقال “ان من أدلج الموقف، هي الوزارة نفسها، فعندما تريد ان تطبع كتابا عليها قبل الطباعة ان تعمم هذه التعديلات على الميدان والخبراء والمختصين، وعلى بعض اولياء الامور، وبعد اخذ التغذية الراجعة يتم التعديل والطباعة والتوزيع، لكن ما حدث هو اعتماد وطباعة الكتب المعدلة دون اخذ رأي أي اطراف اخرى”.
ولفت إلى ان التعديلات التي طرأت على الكتب هي “تعديلات شكلية وليست جوهرية، وهي مخيبة للآمال”.
وشدد على أهمية الحوار بين الاطراف المختلفة، وقبول الاراء الاخرى، لحل هذه المشكلة، وقال ان على وزارة التربية “ان تكون واضحة وصريحة، وان تؤشر على السلبيات التي وقعت بها، وان يتم مراجعة هذه الكتب للخروج من الازمة”.
من ناحيته، اعتبر مستشار جامعة فيلادلفيا الدكتور مروان كمال أن حل هذا الخلاف “يكمن في تشكل لجنة من المعلمين في الميدان، ونقابة المعلمين واساتذة الجامعات لدراسة هذا الموضوع، بشكل متأن وموضوعية، وفي حال وجود اخطاء فيجب ان تصحح”.
وقال كمال إن المعلمين “هم الذين يدرسون ابناءنا، فمن الضروري ان يكونوا جزءا من اللجنة المطلوبة، وان يدرسوا التعديلات التي ادخلت على الكتب، اخذين بعين الاعتبار مصلحة الوطن والطلبة”.
واضاف ان القضية “ليست صعبة”، فهي مجرد اجراء دراسة، وفي حال وجود خلل يتم تصويبه، “كون التصعيد ليس من مصلحة أي جهة”. الغد

قد يعجبك ايضا