عبدالله المتقي: شعرية المحكي التاريخي “زمن السيداف” لوداد خليفة نموذجا

عبدالله المتقي
رواية ” زمن السيداف” للناقدة والروائية الإماراتية وداد خليفة ، ليست مجرد رواية كغيرها من الروايات التي تقذفها المطابع يوميا، إننا حيال تركيبة باذخة من شحنات اجتماعية ، دينية ، نفسية ، لغوية ….منبثقة من حفريات تاريخية لذاكرة الأمكنة والإنسان بآماله وأحلامه وآلامه وعناده ، حيث تتشابه التركية التاريخية والروائية في تركيبة كيميائية ، لتكشف ذلك التاريخ الهارب ودون أن تخرج من سياق المدونة الملحمية لماضي الإمارات المتحدة ، وبذلك تسلك الساردة دروب وآفاق الرواية التاريخية لتستنطق تفاصيل الماضي للمكان والزمان والإنسان
بدءا بالغلاف
بما أن العنوان هو العتبة الأولى لأية رواية ، فإنه لا يمكن الدخول إلى عوالمها النصية بدون تقشير العنوان “باعتباره خلية تحوي جينات دلالية تتقاطع مع عناصر البناء الفني، واختارت وداد خليفة جملة “زمن السيداف” ثريا لروايتها ، فإذا كان “السيداف” يحيل في دلالته المباشرة إلى نبات طبيعي يصل ارتفاعه حوالي 50 سم له سيقان كثيرة التفرع وينبت بالقرب من السواحل ، فالزمن يعني تعاقب الليل والنهار ، أما على المستوى الثاني ، وانطلاقا من توسيع الأفق الدلالي للعنوان تومئ جملة ” زمن السيداف ” الى فيض من المعاني تجعل منه سمة دالة على حقبة تاريخية بأحداثها وتقلباتها وناسها وكائناتها الطبيعية في الساحل العماني التاريخي الذي نمت بين أحضانه الإمارات المتعددة في الماضي والمتآلفة لاحقا
أما التجنيس الذي يمنح النص بعدا تخييليا “رواية ” ، فيمكن اعتبار هذا المؤشر دلالة فاصلة بين الرواية والتاريخ ،اذ يخرجنا من دائرة التاريخ ويضعنا في مواجهة المتخيل
موضوع الرواية ووصفها
” زمن السيداف ” صدرت على نفقة الكاتبة ، هي رواية مكتنزة بجملة من الوقائع الاجتماعية والتاريخية والنفسية للشخصيات الروائية والأمكنة التي تنتمي إليها ، مما يؤكد هذا الطرح أن المتأمل سيلاحظ خصوبة المادة الفكرية وانفتاحها على قوى فاعلة متخيلة وأخرى حقيقية، عوالم تاريخية ، جغرافية ، سياسية ، دينية ، واجتماعية…تقول الكاتبة”لقد بدأت بكتابة ملامح وتاريخ هذا المكان ، ولن أتوقف ،كتبت في “زمن السيداف” عن مرحلة زمنية بكل أحداثها وتفاصيلها” ، وبهذا المعنى ، تكون رواية وداد خليفة، سردية تاريخية لماضي الإمارات العربية المتحدة ، وتوثيقا أنطولوجيا للزمكان واللغة ، بغرض الحفاظ عليها من النسيان والتلاشي وحتى لا يبدأ كل جيل من صفره الخاص
تمتد الرواية على مدى 600 صفحة ، وتتكون من خمسة فصول يتسلل إليها الوهج الشعري ,بدأت بالفصل الأول بعنوان الجهل يزين الظلم..يلبسه حلل تخطف الأبصار,وتبعه فصل مفاتيح العدالة لغة الخالق..أما البشر فالمفاتيح تسبك بقوالب شهواتهم,والفصل الثالث زمن السيداف قدرة وصبر على فقر وجوع,والفصل الرابع أولئك عشقوا النور فحفروا بأحرفه كوة في صدر الجهل,والفصل الخامس سلام لروح موزانة التي عاشت عمرا لم تختره
تبدأ خيوط الحكي من داخل حصن الشيخ بن ديلان ، المنتصب في منطقة البريمي ، حيث يتفاقم الانتقام في نفس الشيخ رويدا ، ليختطف الطفلة موازنة تصغير اسم موزة من حضن أمها ” انتزع رجال بن دلان أطفال حمدة الثلاثة بكل وحشية ،الذين بدا واضحا الهلع والرعب في أعينهم الزائغة ” .
انتقاما من أبيها سيف بن مصلح المعروف ببطشه ، وعندما يلجأ إلى شيخ واحة البريمي لاستعادة أولاده ، عدا موازنة التي سيقدر عليها العيش في بيت عفراء حياة العبيد بقوة التقاليد والأعراف ، دون ذنب اقترفته سوى أنها والدها هو سيف بن مصلح
بين الروائي والتاريخي
الرواية عمل إبداعي تتناول الحدث التاريخي من منظور ذاتي وبعيدا عن التوثيق العلمي ، مما يمكنها من أن تتحول إلى وثيقة تاريخية تشير حتى ولو بشكل عاطفي إلى فترة زمنية معينة ، بل ويمكن لها التأثير بما يتجاوز ما يقدمه المؤرخ أو يختلفون بخصوصه ، فالرواية الناجحة في تقديم التاريخ هي تلك التي لا يتقمص فيها الروائي قناع المؤرخ , هي تلك الرواية التي لا تزاحم الكتابة التاريخية بقدر ما تتعامل مع التاريخ كتربة يمكن للكاتب أن يزرعها بشتلات الحكايات وبأحلام المتخيل
ومن الملاحظ أن الكاتبة في ” زمن السيداف ” اختارت أبرز الأحداث الهامة من تاريخها الحديث والمعاصر، فأعادت تركيبها ، ولكن من وجهة نظرها. . ومن هنا يمكن القول إن النص الراقي السهل الممتنع والذي يأخذ أكثر من تفسير ومن وجه وتحتمل أكثر من قراءة ويشير لأكثر من مرحلة تاريخية أو واقعة في ذات الوقت.
وبهذا تكون الرواية قد حاولت ترتيب بعض أوراق الماضي بدءا ثلاثينيات القرن الفائت وحتى خمسينياته ، بالتوغل عميقاً في غوامض كثيرة، عبر رؤى استقرائية واستكشافية لجغرافية الأمكنة والتأثيرات التي لحقت الساكنة ، علاوة على فتح شرفات على التحولات الكبيرة في المجتمع. بقوة اللغة المبدعة ، مستلهمة الكثير من الأحداث التاريخية في بناء روائي يتغيا إعادة إخراج هذا الماضي في صور جمالية
والرواية لا تتبع حياة موازنة وتحولاتها منعزلة عن الزمان والمكان ، بل تحكي الساردة قصتها الطويلة والمنغرسة في المجتمع الصحراوي المتحول وفي تاريخ المجتمع الإماراتي ، حيث الانزياح نحو التاريخ ، فتحضر الكاتبة المؤرخة بشكل واضح في هذا النص ، فنقرأ تأريخ لبعض الوقائع الصغيرة التي مرت منها موزانة ، كما تؤرخ أيضا لبعض تكتلات القبائل لخوض الغارات والحروب بين بعضها ، كما أرخت لبعض مناورات الاستعمار ، بل أرخت لبعض العادات في ذلك المجتمع القبلي والصحراوي ، كالحفلات المناسباتية ، وطريقة استقبال الضيوف وأهمية استقبالهم ، كما أرخ لتنقلات الناس وممارستهم للتجارة ، وكذا تبدو الرواية في حبكتها ومخارجها، بمثابة توثيق جاذب عماده الأدب، يجمع ما ألم بأهل المكان خلال تلك الفترة الزمنية، من أكل”السيداف”
وهنا يمتلئ الفضاء في هذا النص الروائي بتفاعلات قواه الفاعلة المتعددة ، كما امتلأ الزمن بأحداثه الصغيرة والكبيرة ، كما تميز بانزياحه نحو التاريخ حيث التاريخ ، لكن دون أن ينفلت من شعرنة السرد.
الخصائص الفنية والجمالية
الحوار : يشغل الحوار حيزا مهما في الرواية إذ هو من يمنح إمكانات التحاور بين الشخوص للتعبير عن رؤاها ومواقفها واختياراتها ، كما يمنح اللغة حياتها ، مادامت لاتحيا بغير الحوار ، يقول ميخائيل باختين في شعريته
وبعودتنا لحوارات “زمن السيداف”، نجدها متورطة في استثمار الشفوي وحديث الدارج ،ومن نماذج هذا الامتزاج اللغوي داخل المجتمع الإماراتي:
“تشجعت حمدة وسألته بعزم وحدة:وعيالي ؟؟
بصوت أجش لا ينم عن أية رحمة ، قال :عيالج ما بنردهم ، لنا دم على أبوهم”
وبذلك تتكسير اللغة الوحيدة والواحدة ، ويتم خرق نقاوة اللغة وصفائها ، استعادة خصوصية اللغة اليومية ، وكذلك إنتاج طرائق سردية متنوعة كما يوهم بواقعية السجل الكلامي
الخطاب الأدبي : لإضفاء خاصية الانفتاح وتصديع هوية النص السردي ، تعمد الكاتبة إلى الانفتاح على المخيال الشعري والنصوص الغنائية الشعبية ومن دمجه في الرحم الحكائي ، هكذا يفيد السرد من الشعري والغنائي كي يضفي على الحكي نوعا من اللعب ، بالرغم من تعطيله للدينامية الحدثية ، وكذا فتح شهية المتلقي واصطياده للتورط ايجابيا في عوالم الرواية
في الختم
«زمن السيداف» تقدم تدويناً تاريخياً معرفياً لما كان عليه الحال في الإمارات قبل عقود خلت، فيما تضع الراهن الرفيع أمام مساءلة مستقبلية تنبع من تضاعيف الدهر وتقلباته.
وينتهي القارئ على أيضا على أن الكاتبة التي دونت هذه الرواية عميقة المعرفة بمجتمعها وتاريخه وتحولات كائناته وذواكر أمكنته

قد يعجبك ايضا