غزة بين نار العدوان وتهوّر القرار: حين يدفع المدنيون ثمن مغامرات القيادة
محي الدين غنيم ….
لم تكن غزة بحاجة إلى مزيد من المآسي، لكنها دُفعت إليها دفعًا بقرارات متسرّعة ومغامرات غير محسوبة. قرار السابع من أكتوبر بصرف النظر عن الدوافع والشعارات فتح أبواب الجحيم على أكثر من مليوني إنسان، فكانت النتيجة عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وتشريد واسع، وتدمير شبه كامل لقطاع محاصر أصلًا.
اليوم، يقف أهل غزة عُزّلًا في مواجهة الموت البطيء: قصفٌ، وتجويعٌ، ومنخفضات جوية قاسية، وخيام بالية لا تقي بردًا ولا مطرًا. أطفالٌ يرتجفون، ومرضى بلا دواء، وعائلات تبحث عن سقف مفقود بينما تُدار البيانات من خارج الميدان، وتُتابَع الكارثة من أبراجٍ بعيدة.
المأساة لا تُختصر في عدوانٍ غاشم فقط، بل في قرار سياسي وعسكري افتقر للحكمة وتجاهل ميزان الكلفة الإنسانية. المقاومة لا تكون بإلقاء الشعوب في المحارق، ولا تُقاس بالخطابات، بل بقدرتها على حماية الناس وتقليل الخسائر وصون الحياة.
إن واجب اللحظة هو المحاسبة: محاسبة كل من اتخذ قرارًا يعلم مسبقًا أن المدنيين سيدفعون ثمنه، ومحاسبة كل من تجاهل معاناة الناس وتركهم يواجهون العراء والبرد والجوع. محاسبة قانونية وأخلاقية وتاريخية، لأن دماء الأبرياء ليست وقودًا للسياسة، ولأن غزة تستحق قيادة تُحسن التقدير قبل أن تُحسن الخطابة.
غزة اليوم لا تحتاج شعارات، بل إنقاذًا. ولا تحتاج تبريرات، بل مراجعة شجاعة تُقدّم حياة الإنسان على وهم الانتصارات، وتضع حدًا لدورة قراراتٍ لا يحصد ثمارها إلا الأبرياء.
الكاتب من الأردن