زياد احمد سلامة: الشاهد والمشهود… تغريبة وليد سيف الشخصية
زياد احمد سلامة
مرة أخرى يطل علينا وليد سيف برائعة أدبية أخرى، هذه المرة م خلال كتاب شائق يسرد لنا فيه محطات من سيرته الذاتية، فبعد أن عرفنا سيف شاعراً كان يسير بخطى واثقة نحو المراكز المتقدمة في صفوف شعراء جيله، ورأيناه كاتباً متميزاً للمسلسلات الدرامية اللافتة، وراينا سيف كاتباً مسرحياً وكاتب مقالة تحليلية، بل ورأيناه أكاديمياً أستاذاً جامعياً يساهم في تاليف العديد من الكتب الدراسية، ها هو ومع اقترابه من عامه السبعين ـ أطال الله في عمره ـ يتحفنا بهذا الكتاب الممتع ” الشاهد والمشهود: سيرة ومراجعات فكرية”، وكعادته يستخدم الدكتور وليد سيف لغة شاعرية عذبة تشدك إلى الكتاب رغم صفحاته التي تجازوت الخمسمئة قليلاً.
كنتُ أرى قبل قراءة هذا الكتاب أن المذكرات التي تستحق الكتابة والقراءة هي مذكرات السياسيين والعسكريين وحسب حيث الحديث في قضايا عامة تهم الأمة، وقد نضيف إليها السير الذاتية لبعض الاقتصاديين العصاميين لنرى طريقتهم في الكفاح وشق طريق الحياة والوصول إلى النجاح، ولكن بعد قراءة هذا الكتاب أرى أنه من الممتع أن يتحفنا بعض الأدباء بسيرهم الذاتية كما فعل الدكتور وليد سيف.
لم يكن (الشاهد والمشهود) مجرد سرد ذكريات وحوادث عادية قد تحصل مع معظم الناس، ولكن الكاتب اختار طريقة وأسلوباً متميزاً يجعل من هذه المذكرات ذات شأن، فالقارئ لا يقف عند أبرز المحطات في حياة وليد سيف وحسب، بل يقرأ أيضاً حول هذه الأحداث والمواقف لمسات فلسفية وفكرية؛ انظر ـ على سبيل المثال ـ حديثه عن هزيمة حزيران 1967 القاسية والمريرة، وكتابته حول ما سماه ” نقد الاستشراق الذاتي ” وذكر كيف أن البعض “كفر بعد إيمان، وآمن البعض بعد كفر، وحمّل آخرون وزرها لقلة الدين، وبعض خصوم المد القومي الناصري احتجوا بالهزيمة على خصمهم العقدي والسياسي، وبعض أنصار المد القومي الناصري نسبوها إلى مؤامرات الخصوم الداخلية والخارجية، والكثير من القوميين وانصار المد القومي بدأوا في مراجعة فكرهم ليكتشفوا بحكمة متأخرة أنه لا قبل لأي فكر قومي أن يبرأ من داء الفاشية إلا أن تخلعه على الجملة وتلبس ثوب الأممية الماركسية، وانقسم آخرون كالعادة بين من يتهم الغرب الاستعماري ويبرئ الذات، وبين من يتهم الذات ويبرئ الغرب، وبين من يتهم الذات والغرب معاً، ولم يفت الدكتور سيف أن يذكر أنه ” قد بلغ بالبعض أن حمَّل أم كلثوم بعض المسؤولية عن الهزية… (ص200)، أما عن موقفه الشخصي وتشخيصه لما حل بالعرب من مصيبة، فذكر ذلك في عدد من الصفحات، ومما جاء فيها:” لا شك أن هناك الكثير مما ننتقده في ثقافتنا الموروثة والسائدة، ولا شك أن الانحطاط ليس وليد الساعة، وأن له جذوراً ممتدة في عمق التاريخ، ولا شك أيضاً أن حركات التنوير والإصلاح والتجديد الفكري شرط أساس في النهضة الشاملة، ولكن مشكلتي الكبرى مع الكثير من تلك المراجعات النقدية أنها تنطلق من فهم نظري مخطئ للثقافة ودورها في الحياة الإنسانية والاجتماعية… وقال : “لكأن قدرنا أن نراوح بين الثنائيات المتفاصلة المتطرفة: بين اتجاه تغريبي عدمي يدعونا إلى الانسلاخ عن هويتنا الثقافية الحضارية واستنساخ النموذج الغربي، واتجاه ماضوي يدعونا إلى استنساخ ماضي الذات، وكلا الاتجاهين يصدر عن ذهنية متشابهة وإن بدا أنهما متناقضان، فكلاهما تقليد واستنساخ” وهكذا يستمر بنا الدكتور سيف في مناقشة الآراء المختلفة في تفسير الهزيمة والتأزم الذي تعيشه الأمة، ليختم حديثه في هذا المجال قائلاً: فلنذر هؤلاء يختصمون في الأسباب الثقافية لتخلفنا المؤبد وهزائمنا المحتومة! لينتقل بنا إلى الحديث عن ظهور المقاومة الفلسطينية، فكأنه يقول لنا: دعنا من الخوض النظري في أسباب ومسببات الهزيمة، ولننظر إلى العمل الفعلي الذي سيؤدي إلى دفن الهزيمة والتخلص منها، إنها البندقية والكفاح المسلح، ولكننا سنجده بعد حين من الزمان وقد خاض تجربة العمل مع منظمة فتح سيترك هذا الطريق بعد أن رأى ما رأى من انحرافات عن الهدف، ثم يعود ويتفرغ لدراسته الكاديمية وإبداعاته الأدبية التلفزيونية.
استوقني في الكتاب حديثه عن موقف الكتاب والمثقفين العرب من (الدين والتدين)، فكتب في صفحة 274 ما سماه “الخطاب الديني والخطاب الأدبي: الود المفقود، وذكر كم هي الخصومة والعداء بين الكثير من الأدباء والمثقفين العرب وبين “الدين”، فقال: ليس من النادر أن تجد من هؤلاء [الأدباء] من يؤمن بالله، ولكن النادر أن تجد فيهم متدينين يلتزمون شعائر الدين، أو يستظهرونه في خطابهم. بل يحرص أكثرهم على التجرد من شبهة التدين خشية أن يوصم بالتخلف والتقليد والفكر الرجعي الظلامي ونحو ذلك مما يتعارض مع الصورة النمطية للمبدع المحلق في فضاء الحداثة والحرية، وتابع فقال: واقع الحال أن المزاج العام المغترب عن الدين في الوسط الأدبي ليس ثمرة لانتصار الوعي الإبداعي على “الخرافة” بقدر ما هو استجابة لسلطة التقاليد السائدة في الوسط الأدبي والصور الذهنية النمطية التي اختلقتها الطائفية الأدبية عن نفسها لتمتاز بها عن سائر الناس وتشكل بها هويتها الجمعية الفرعية.” ويأخذنا الكاتب في مشوار مع تناقض هؤلاء المثقفين مع أنفسهم ومع الدين ـ لا سيما الإسلام على وجه الخصوص ـ بسبب هذا الانفصام في شخصيات أدعياء الثقافة الذين لم يجرؤوا على التصالح مع أنفسهم.
استوقفني كذلك حديثه عن لقائه بشعراء الأرض المحتلة عام 1968، فنذكر في مسلسل التغريبة الفلسطينية (رشدي) بطل المسلسل عندما استطاع الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وكيف التقى بوالدته هناك بعد ان حُرم منها منذ أن أُكره على التهجير عام 1948 مع أخواله، وفي هذا الكتاب سنعرف أن رشيدي هو وليد سيف نفسه الذي التقى شاباً من (عرب 48) عندما كان سيف في زيارة للضفة الغربية بعد نكسة 67، ومن خلال هذا الشاب استطاع سيف العبور إلى حيفا بأوراق ثبوتية مزورة؛ ومستغلين ضعف الإجراءات الأمنية الصهيونية على نقاط العبور، وفي حيفا التقى محمود درويش وسميح القاسم، وهناك تحاور سيف مع عدد من منتسبي الحزب الشيوعي في شتى المواضيع : الشعر والأدب والثقافة والسياسة والهوية والمقاومة ومستقبل الصراع وآفاقه ومآلاته الممكنة، وتفاجأ سيف بمرجعية درويش الماركسية وكيف أنه في بداية أمره لم يلتحق بالحزب الشيوعي لقناعات عقدية، وإنما لأن الحزب يوفر له مساحة للنشاط السياسي المعارض، ويقول درويش بأن الفكر الماركسي قد تحول عنده إلى إيمان عقدي بعد ذلك، وتفاجأ سيف من موقف درويش المتطرف ضد العرب والعروبة ( ص 256). أما سميح القاسم فقد قال بأنه انتظم في الحزب الشيوعي للسبب نفسه الذي دفع درويش للاتحاق بالحركة الشيوعية: “أن أجد نافذة للمعارضة لا أجد غيرها” ولكن سميح القاسم استمر على قناعته بأنه ” أولاً وأخيراً عربي؛ عربي؛ عربي، وهذا وطني فلسطين، جزء من الوطن العربي”(ص 258). كان سيف يريد نشر ما دار في هذه الرحلة والمقابلة مع محمود درويش وسميح القاسم، فبعث لغسان كنفاني يخبره بأنه سيرسل له نص مقابلته مع شعراء الأرض المحتلة، ورغم ترحيب غسان كنفاني الحار بالأمر إلا أن سيفاً تراجع عن نشر هذه المادة ” ذلك أنني حين أعدتُ تقدير الموقف أدركت أن المادة ستحدث صدمة لكثير من القرآء في مناخ الحساسيات السائدة في ذلك الوقت، ويتابع سيف فيقول: والأرجح أن ينقلب الموقف عليَّ، فأتهم بالتحريف والتزييف وتقويل محمود ـ بصورة خاصة ـ ما لا يمكن قوله، مستغلاً صعوبة التثبت من صحة الكلام” (ص 259).
أهم ما يميز الكتاب:
التناص مع القرآن الكريم والحديث الشريف، فالقارئ يلمس بسهولة أثر هذين المرجعين رفيعي المستوى الأدبي، فكثيراً ما تقرأ جملة هنا أو هناك ذات أثر قرآني نحو قوله (ص 77): وإني لأذكر تلك الفتاة تمشي على اسحياء ذاهبة إلى المدرسة، فهنا التأثر واضح بقوله تعالى ( فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) ، وكذلك قول سيف ” وها قد صرت قاب قوسين أو أدنى من منزلنا”، أو قوله “وتلك لعمري قسمة ضيزى” فهذه الكلمة الأخيرة كلمة قرآنية بامتياز، بل إنه ليستشهد ببعض الآيات الكريمة بتمامها.
كذلك الاستشهاد بالشعر العربي قديمه وحديثه، كثر استشهاد الكاتب بابيات متفرقة لشعراء مختلفين سواء كانوا جاهليين أو معاصرين، فكم هو جميل ان يصادفنا قول الصمة القشيري ( ص 150): “حتى تتوجع ليتا وأخدعا” وأنت تقرأ هذا القول في ثنايا فقرة رومانسية وهو يصف ردود فعل الطلاب حديثي التعرض للجو الجامعي وما فيه من اختلاط بين الجنسين. قرأنا استشهادات بشعر هارون هاشم رشيد والمتنبي وأبي تمام وشاعر الصعاليك عروة بن الورد؛ والمثقب العبدي واليشكري ودريد بن الصمة أو الشاعر الجزائري مفدي زكريا وهو ينشد “نشيد الجزائر”: قسماً بالنازلات الماحقات، ومحمود درويش وغيرهم.
كنت أتمنى أن يقف معنا الدكتور وليد سيف طويلاً في حديثه عن تجربته في الكتابة الدرامية، فللدكتور وليد سيف نحو سبعة عشر عملاًً درامياً بدأها عام، وكان آخرها مسلسل عمر بن الخطاب عام 2012 يمكن تقسيمها إلى ما يلي”
قضايا العصر الجاهلي، وهي: الخنساء (1977) ، عروة بن الورد (1978) ملحمة الحب والرحيل، وهو مسلسل يتحدث عن قصة حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب أبناء وائل، طرفة بن العبد 1982.
قضايا المرحلة الإسلامية، ويمثلها مسلسل “بيوت من مكة”. ومسلسل “عمر بن الخطاب” الذي عُرض عام 2012م.
قضايا الفترة الأندلسية، وهي” المعتمد بن عباد”، صقر قريش 2002وربيع قرطبة 2003وملوك الطوائف 2005وسقوط غرناطة 2007
قضايا الصراع مع الصليبيين، وهي: شجرة الدر1979، وصلاح الدين الأيوبي
مسلسلات حول القضية الفلسطينية، ويمثلها: الدرب الطويل 1998، والتغريبة الفلسطينية.
وكنت أتمنى لو اثرى الدكتور سيف كتابه بذكر مزيد من أسماء زملائه في الدراسة او العمل، أو ذكر أسماء مدرسيه في المدرسة والجامعة، لا سيما الجامعة الأردنية حيث درس مرحلة البكالوريوس ما بين عامي 1966 و1970.
السؤال الذي ألحَّ عليَّ كثيراً، قبل قراءة هذا الكتاب وبعده: هل خسرنا شاعراً كبيراً وكسبنا كاتباً درامياً متميزاً؟ وهل يعوض أحدهما عن الآخر؟ أم نكتفي بقوله “والتجربة أثبتت لي أنه لكي تكتب شعراً كثيراً فإن الشعر لا يقبل المنافسة مع نشاطات إبداعية أخرى، يعني أن تُعَرِّفَ نفسك شاعراً وحسب، وأن تكون هويتك حاضرة في نفسك طوال الوقت أنك كذلك”
للشاعر وليد سيف ثلاثة دواوين مطبوعة هي: قصائد في زمن الفتح، (1969) ووشم على ذراع خضرة،(1976). وتغريبة بني فلسطين (1979). وهناك ثلاث قصائد منشورة؛ هي:” البحث عن عبد الله البري”و” الحب ثانية” و “وتبقى دمعة بيضاء”، فهل نقول: هل من مزيد.
عمان ــ الأردن
[email protected]
