ثروات تُنهب… وشعوب تُجوَّع: حين تتحول الخيرات العربية إلى وقود للتركيع
محي الدين غنيم …..
يعيش الوطن العربي اليوم واحدة من أسوأ مراحله الاقتصادية، حيث تتسع رقعة الفقر وتنهار الطبقات الوسطى، ويُدفع المواطن العربي إلى حافة العوز في مشهد لا يمكن فصله عن سياسات مقصودة قوامها التجويع والتركيع. المفارقة الصادمة أن هذه الأوضاع الكارثية تجري فوق أرضٍ تزخر بالخيرات، وتنام فوق بحار من النفط والغاز وتمتلك من الموارد ما يكفي لبناء نهضة حقيقية لا مجرد البقاء على قيد الحياة.
لكن الواقع يقول إن عوائد هذه الثروات، بدل أن تُسخَّر للتنمية والتعليم والصحة وتوفير فرص العمل تُهدر في صفقات مشبوهة أو تُوظَّف في خدمة أنظمة تبعية، وتُضخ بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم الكيان الصهيوني وحلفائه، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بينما يُطلب من المواطن العربي شدّ الحزام والصبر على الغلاء.
لقد تحولت سياسة الإفقار إلى أداة حكم، تُستخدم لكسر إرادة الشعوب، وإشغالها بلقمة العيش عن المطالبة بالحقوق والكرامة. فالفقير لا يُسأل عن السيادة، والجائع لا يملك ترف التفكير بالمستقبل. وهنا تكمن خطورة المشهد: شعوب تُستنزف وثروات تُنهب، وقرار عربي مرتهن لإملاءات صهيو-أمريكية لا ترى في المنطقة سوى خزّان طاقة وسوقًا وساحة نفوذ.
أما التحرر من هذه المعادلة الخانقة، فلا يبدأ بالفوضى، بل بالوعي. وعي الشعوب بحقها في ثرواتها، وبأن التبعية ليست قدرًا وأن الاستقلال الاقتصادي هو أساس أي سيادة سياسية. يبدأ بمساءلة حقيقية للأنظمة، وبناء مؤسسات شفافة، وتوجيه الثروات نحو الإنتاج لا الاستهلاك، ونحو الإنسان لا التحالفات المشبوهة.
كما أن تعزيز التضامن العربي، ودعم الاقتصاد المحلي، وكسر الارتهان للمحاور الخارجية، خطوات أساسية في مسار طويل لكنه ممكن. فالشعوب التي تملك الإرادة، وتدرك حجم ما يُسلب منها، قادرة على فرض التغيير، مهما طال الزمن.
ليست أزمة الوطن العربي أزمة فقر موارد بل أزمة إدارة وقرار وبين التجويع المفروض والتحرر الممكن يبقى الرهان على وعي الشعوب لأن من يملك الخيرات ويستعيد قراره… لا يُركَّع.
الكاتب من الأردن