«كونفدرالية خليجية» لتعزيز أمن دول المجلس
بدر خالد البحر …..
زخم المعلومات بوسائل التواصل والإعلام يجعل الأذهان متخمة بأحداث قد تكون أغلبيتها غير صحيحة، مما يتطلب التريّث في تداولها، وربما كان الأجدر البحث في مدى صحة ما ارتكبه ترامب من ممارسات عسكرية من الناحية القانونية لنتوقع مآلاتها، ولعل الرجوع لأحداث تاريخية مشابهة يجيب عن هذا السؤال كحرب تحرير الكويت مثلاً، والتي يصادف تاريخ اليوم قبل خمسة وثلاثين عاماً تفويض «الكونغرس» الأميركي للرئيس جورج بوش باستخدام القوة ضد العراق والحرب لإرغامه على الانسحاب، مما يؤكد لنا أن الهجوم على فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته من دون إذن «الكونغرس» كان خاطئاً، مما جعل مجلس الشيوخ يمرر يوم الخميس الماضي مشروع قانون يقيّد ترامب في مواصلة العمليات العسكرية بفنزويلا من دون الحصول على الموافقة، وهو ما جعل أميركيين ينزلون للشارع من شدة المعارضة. الطغيان السياسي ضد فنزويلا لم يكن هو الأول من نوعه، وإن كان هذه المرة مختلفاً، ففي السابق كانت الهيمنة تمرّ عبر قنوات لأخذ الموافقات الرسمية، وقد ذكرنا في السابق أن أميركا نفذت سيناريو فنزويلا نفسه مع رئيس بنما قبل ثلاثة عقود، وقصفت كمبوديا سرّاً لدعم حربها بفيتنام، متسببة بكارثة إنسانية! لقد كتبنا مقالاً في 2005 بعنوان «مجرم يحصل على جائزة نوبل للسلام»، حين أصر كيسنجر كمستشار أمن قومي ووزير خارجية في عهد الرئيس نيكسون – الذي صادف أمس الأول مولده عام 1913 – على الإطاحة برئيس جمهورية تشيلي المنتخب ديموقراطياً، خوفاً من وهْم الامتداد الشيوعي، فدعمت أميركا انقلاباً قُصف فيه القصر الجمهوري وقُتل الرئيس أليندي، وجاءت بالدكتاتور بيونشيه لنحو عقدين، ليقمع الشعب ويقتله! وشيء مشابه حين موّلت أميركا ثوار «الكونترا» لإطاحة حكومة نيكاراغوا، كما أطاحت شاه إيران، ثم ليعترف رونالد ريغان في لقاء تلفزيوني بأنه كان خطأ جسيماً جاء بنظام أكثر قمعاً. وعليه، فالساذج الذي يعتقد أن الدول العظمى تطيح الرؤساء من أجل حماية الشعوب، في حين أن هدفها هو السيطرة ونهب الثروات، وخصوصاً حين تفعلها دون غطاء دولي، كأمثلة طرحناها خلال العقود الخمسة الماضية، ومنها أيضاً صدام والقذافي. وعودة إلى غزو فنزويلا، فقد أوهموا الناس بأنه لمحاربة المخدرات، بينما لا تأتي كاراكاس حتى بالمرتبة العاشرة من حيث الخطورة على أميركا، حتى انكشف الهدف الرئيسي للسيطرة على الثروات ومخزون النفط الثقيل وتشغيل كبريات مصافيها. وقد تابعنا جميعاً تهديدات الرئيس الأميركي التي لم تسْلَم منها الصين أيضاً، حتى صرح باحتلال «غرينلاند»، ضارباً بالدنمارك عرض الحائط، فكان من وجهة نظرنا مضحكاً للغاية، ولكنه جعلنا نفكّر بوضعنا كـ «حوض الخليج العربي»، وماذا لو جاءنا نحن التهديد! فهو يهدد إيران من قمع المتظاهرين، في محاولة لا نعلم مدى جدّيتها لإسقاط نظام المرشد! وربما يتذكر البعض مقابلة قديمة له كانت أشبه بالتهديد، لندفع حصة من نفطنا نظير تحريرنا من الغزو! كل ذلك يتطلب منّا، كدول الخليج، التفكير بتحالف أمني عسكري مدعم بقوى دولية لنواجه ما يُسمّى بـ «شرق أوسط جديد» تقوده إسرائيل، تحالف أمني خليجي يؤكد عليه متخصصون التقيناهم، وطالبنا في عشرة مقالات على مدى خمسة عشر عاماً بتشكيل كونفدرالية خليجية تواجه احتمالات الهيمنة، وما قد يصيب بعض الرؤساء من «جنون العظمة». إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.
الكاتب من الكويت