انتشال السودان من وهدة الضياع
د.الطيب النقر …..
إن الحقيقة التي نريد أن نوضحها هنا دون التباس، لكل من يسأل عن طبيعة هذا الصراع الوجودي الذي يدور رحاه في السودان، وعن أطرافه التي تتوالد وتتكاثر، أن هذا الصراع الضاري، لم تكن المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، منفصلات عنه كل الانفصال، فقد انصرف الاهتمام، كل الاهتمام عند الأشقاء إلى اطفاء نائرة هذه الحرب وإخماد لهيبها، خاصة في مصر التي تجمعنا بها هوية مشتركة، وزخم تاريخي وتجانس ثقافي ، وارتباط جغرافي لا يتعدل أو يتبدل.
إن قمع هذه الهيجاء التي اجتاحت معظم بقاع السودان، لم تكن أملاً مفعتلاً عند السادة أرباب الحكم والتشريع في المملكة العربية السعودية، فقد شرعت السلطة السياسية في الممكلة التي عُرِفْ عنها حدبها بالإنسانية جمعاء، منذ اندلاع الشرارة الأولى في اتخاذ مسار تفاوضي يفضي إلى وقف هذه الكريهة، وفي مدينة جدة قبل أكثر من عامين تنزلت عدة مباحثات دارت في هذا الإطار، ولكن رغم نجاعة بنود هذا الإتفاق، إلا أن تعنت مليشيا الدعم السريع، ونكوصها عن الالتزام بنقاط وفصول هذه الاتفاقية، نتيجة للالتفات إلى أهداف “دولة عربية” ترسخ للظلم، يعرفها القاصي والداني، هذه الدولة غاية الحياة التي لا تجدها في دساتيرها، تتمحور في ايذاء الدول، وذلك عبر ايجاد وسائل قسرية للإطاحة بأنظمتها السياسية، أو بإشعال الحروب التي لا تأصرها آصرة، حتى تدخل في مرحلة التغيير الديمغرافي، والتطهير العرقي، والتهجير القسري لأعداد كبيرة من رعاياها، الأمر الذي جعل الأمور تأخذ مساراً مختلفاً، فتلك” الدولة العربية” التي تريد أن تقاوم السلطة في” بورتسودان” بسلطة قسرية موازية في “نيالا” جوهرها مجرد تجمع من الكيانات السياسية المتعطشة للحكم، تلك الأحزاب التي التأمت بلا تناغم، لتتعامل اجتماعياً بعضها مع بعض، وفق نتائج هذه التفاعلات التي تطرأ على ميادين وسوح المعارك، في الحق لا يمكن أن تصل في سياق سياسي إلى مرحلة تطبيق فكرة الدولة ذات القوة الشاملة التي تحتكر النفوذ والعنف، وعلى الرغم من أن حركة الحكومة الموازية لحكومة الخرطوم، جاءت متواضعة بالمقاييس العالمية، إذ أن معظم الدول لم تعترف بهذه الحكومة الموازية أو تأبه لها، إلا أنها أنتجت توتراً سياسياً واجتماعياً في السودان الذي يعيش حرب وجودية دائرتها تتوسع كل يوم بفعل التدخل الأجنبي.
إن “اتفاق جدة” الذي كان يستحق الاحتفاء والتشبث به من طرفي النزاع، نظراً للسياقات والتفاصيل التي كانت كلها تتحرك نحو غاية مشتركة، وهي اخماد لظى هذه الحرب ووقفها، أزرت به تلك “الدولة العربية” التي تريد أن تحيل محيطها إلى مجتمعات بائسة، ونظماً كارثية، فقد وقفت دون تنفيذ هذا الاتفاق، فمما لا يند عن ذهن، أو يلتوي على خاطر، أن منظومة الدعم السريع ليست قائمة بذاتها، وأنه لا يمكن تصور أن تصعد درجة من درجات هذا الصعود، لولا دعم هذه “الدولة العربية” السخية لها، فهي التي منحت لهذه المليشيا صفة وخاصية الامتداد، وهي التي أشارت إليها أن تنظر إلى تلك البنايات، و تصعد على سطوحها، وهي التي اختارت أن يكون مفهوم” التشفي” أكثر شمولية واتساعاً في ذلك البلد الذي تركض فيه المصائب، وتتسابق إليه النكبات، إن مواقف هذه “الدولة العربية” التي لم تعد تسعى كما كانت في السابق لأن تكون مختبئة ومحتجبة، بدأت بالفعل تنحدر وتتلاشى، بعد أن لاح في “أفق السودان” دولاً تقدر الإخاء وتحافظ على معانيه السامية، فالمملكة العربية السعودية والشقيقة الكبرى، و قطر الخير وجمهورية تركيا “الخلافة والأصالة والتاريخ”، هذه الدول الحانية والحادبة منحت السودان حقاً الانبثاق والنهوض وحررته من هيمنة هذه الدولة واستعلائها، فقد أخذت هذه الدول تصارع جنون تلك “الدولة العربية” وعقلها حتى كفأتها على وجهها كالإناء، وأخبرها في وضوح وجلاء بأن كل محاولاتها التي بذلتها لخدمة الكيان البغيض لم تكن مجدية، ولكنها نجحت بحد ذاتها إلى تزويدنا بالتعريف المناسب والملائم لجوهر “الخسة” وماهيتها.
د.الطيب النقر
الكاتب من السودان ض