الإسراء والمعراج: رحلة إلهية تتجاوز الزمان والمكان ودروس خالدة للأمة

الكاتبة الباحثة د.تغاريد محمد الفواز  ….

رئيس أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي ومدير تنفيذي لمركز نور الشام

في خضم التحديات الجسيمة التي واجهت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي عام الحزن الذي فقد فيه زوجته السيدة خديجة وعمه أبا طالب، جاءت معجزة الإسراء والمعراج كمنحة ربانية لتكون تكريماً ومواساة وتثبيتاً لقلبه، ولتحمل في طياتها دروساً عظيمة ورسائل خالدة للأمة الإسلامية على مر العصور. هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال جسدي، بل كانت رحلة روحية وإيمانية عميقة، رسمت ملامح جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية.تسلية ربانية بعد عام الحزن لم تكن رحلة الإسراء والمعراج حدثاً عابراً، بل كانت مقدمة ضرورية لمرحلة جديدة. فبعد أن لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض الصد والجفاء، خاصة بعد رحلته إلى الطائف، جاءت هذه المعجزة لتطلعه على ملكوت السماوات، وتُظهر له مكانته عند ربه، وتكون بمثابة رسالة واضحة بأن الله الذي كلفه بهذه الرسالة العظيمة لن يتركه، بل سينصره ويؤيده. إنها درس بليغ في أن الفرج يأتي مع الكرب، وأن المنح تخرج من رحم المحن.الإيمان بقدرة الله المطلقة والأخذ بالأسباب بدأت سورة الإسراء بكلمة “سبحان”، وهي كلمة تنزيه وتقديس لله، وفيها إشارة قوية إلى أن هذه الحادثة خارقة لقوانين الطبيعة والأرض. إنها تُعلمنا أن نؤمن بقدرة الله التي لا حدود لها، فهو الذي يقول للشيء “كن فيكون”. لكن هذا الإيمان لا يعني التواكل، بل يجب أن يقترن بالأخذ بالأسباب. فالتوكل الحقيقي هو عمل القلب، والأخذ بالأسباب هو عمل الجوارح، وكلاهما جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم. فالاعتماد الكلي على الأسباب هو شرك خفي، وتركها بالكلية هو معصية.الإسلام دين الفطرة السليمةمن المشاهد العميقة في هذه الرحلة، تقديم قدحين من اللبن والخمر للنبي صلى الله عليه وسلم، واختياره للبن. عندها قال له جبريل عليه السلام: “الحمد لله الذي هداك للفطرة”. هذا الموقف الرمزي يؤكد أن الإسلام في عقيدته وأحكامه ينسجم تماماً مع الفطرة الإنسانية النقية. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما هو نقي وطيب، والإسلام جاء ليصقل هذه الفطرة ويرتقي بها، لا ليصطدم معها. _مكانة المسجد الأقصى ورباط الأمة
لم تكن الرحلة إلى المسجد الأقصى محض صدفة، بل كانت تأكيداً على مكانته المقدسة في الإسلام. فهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا الكريم. صلاة النبي إماماً بالأنبياء هناك كانت إعلاناً رمزياً بانتقال قيادة الأمة الإنسانية إلى الأمة الإسلامية، وربطاً روحياً بين رسالات السماء جميعها. هذا الرباط يضع على عاتق كل مسلم مسؤولية تاريخية تجاه هذا المكان المبارك، وحمايته ورعايته.اليقين بالله مفتاح النصرعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من رحلته وأخبر قريشاً بما حدث، كذبه الكثيرون، لكن صاحب اليقين، أبو بكر الصديق، قال كلمته الخالدة: “لئن كان قد قال لقد صدق”. هذا الموقف يعلمنا أن قوة اليقين بالله هي السلاح الأقوى في مواجهة التشكيك والاستهزاء. فصاحب الحق لا تهزه الأباطيل، وصاحب اليقين يرى بنور الله ما لا يراه الآخرون. إن اليقين بنصر الله هو الذي يمنح المؤمن الثبات والقوة لمواصلة الطريق مهما كانت الصعاب.في الختام، تظل رحلة الإسراء والمعراج نبراساً يضيء للمسلمين طريقهم، تذكرهم بأن العبودية لله هي أسمى درجات الرفعة، وأن مع كل عسر يسراً، وأن اليقين بالله هو مفتاح الفرج. إنها دعوة متجددة للتأمل في قدرة الله، والتمسك بدين الفطرة، واستشعار المسؤولية تجاه مقدسات الأمة.

الكاتبة من الأردن

قد يعجبك ايضا