صناعة الكذب ملح الذكاء الاصطناعي

د. ماجد الخواجا  …..

حالة أولى: اتصل بي صديق إعلامي بعد الإفطار ويتبوأ منصباً مرموقاً في جامعة الدول العربية، يستوضح مني عن منشور كنت قد أوردته على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي، وبدأ يفند صحة الخبر من أساسه وأنه خبر كاذب مدسوس ومجتزأ، استمعت له جيداً وهو للحقيقة رجل يمكن اعتباره مصدراً للثقة. الخبر كان أن السيدة وزيرة التنمية الاجتماعية وقَّعت العديد من الشيكات بآلاف الدنانير، لعديد من الجمعيات والإتحادات النسائية ضمن منطقة محافظة جرش تحديداً، ودارت التساؤلات حول مستوى الصلاحيات المناطة بالوزيرة، وهل يجوز لها أن تتصرف وتمنح أموالاً لأية جهاتٍ دون مرجعية ودون تعليمات تستند إليه، ولماذا تم منح الجمعيات في محافظة بعينها دون غيرها من المحافظات. وهل هذه المبالغ من موازنة الوزارة ومخصصاتها، هل تم اقتطاعها من نفقات مقرّة سابقاً دون وجود مبررات قانونية لهذا الأمر. هل الوزيرة حقاً تتصرف بالطريقة هذه بأن تحابي أبناء منطقتها ومحافظتها وبهذا الشكل المعلن. إنها أسئلة بنيت على حالة غير صحيحة من أساسها، فالحكاية أن جلالة الملك حفظه الله أوعز بتقديم تبرّع شخصي منه بمبلغ مليون دينار يتم صرفها على الإتحادات النسائية وفروعها في المحافظات المختلفة، والذي تزامن مع يوم المرأة العالمي حيث تحتفل دول العالم به كل عامٍ في الثامن من آذار. وتبيّن أن هذه الفروع ينضوي تحت إشرافها عديد من الجمعيات ذات الصلة بالعمل النسائي في كل محافظة، وهي من ستنال التبرّع كلاً في موقعها وحجمها ودورها. وهي كلها تقع تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية بحكم الاختصاص. وتم صرف التبرّع الكريم بهذه الطريقة للفروع كافة وفي كافة المحافظات. وتبيّن أن ناشر الخبر له مصلحة متعارضة مع الوزارة والوزيرة، وهي مصلحة شخصية، وليس من باب الحرص على القانون والعدالة والنزاهة بشكلها الوطني المجرّدة من الأهواء.
كم هي المنشورات التي يتم ضخّها عبر وسائل وقنوات الإعلام والتي تثير جدلاً واسعاً دون أن نكلّف أنفسنا التحقق من صحّتها ومن موثوقيتها قبل نشرها على الملأ.
الحالة الثانية: خبر وفيديو مفبرك كاذب تناول تصريحاً مفبركاً لأحد الزعماء العرب والذي انتشر كالنار في الهشيم وما زال يشعل مواقع التواصل في تفاعلات مذهلة لا تنتهي. ولو توقّف أحدهم للتحقق من صحة الفيديو ومحتواه، لانتهى الأمر في ساعته، ولما تسبب بذلك الحجم من الجدال وبث التوتر والكراهية الخبيثة التي يهمّ صاحب الفيديو والمصدر له أن يعمل على نشر الخلاف والفرقة بين أبناء العالم العربي. فلا يعقل أن يصدر عن رئيس دولة مثل تلك التصريحات الساذجة بحيث تتداخل لديه أسماء الرؤساء.
كم هي الصور والفيديوهات والأخبار التي نتناقلها طيلة الوقت دون تمحيص ودون تحقق، لنكتشف لاحقاً أنها من صنيعة الذكاء الإصطناعي، هذه التقنية التي لا ذنب لها، بل الإثم والخطيئة والذنب لمن يقترفها من البشر وهم إما أن يكونوا من الساذجين الجاهلين بأصول التعامل الرقمي، وإما أـن يكونوا من المستعجلين للنشر بهدف تحصيل متابعات وإعجابات بأية وسيلة، وإما يكونوا من الحاقدين ذوي التعصّب الأعمى حيث يهتبلون أية فرصة لإثارة النعرات والفتن وشحن الكراهية، وإما من اللا أباليين وغير المهتمين بتحرّي المصداقية. أما الكارثة الأدهى فتتمثل في فئة المعنيين المستفيدين المحترفين بنشر كل ما يغذّي الخلاف والفرقة بيننا. في جميع الحالات السابقة، يبدو أننا نحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ وإرادة للتخلّص من هذه الآفات السيبرانية التي زعزعت الثقة بكثيرٍ من المحتوى السيبراني المبثوث عبر وسائل التواصل الاجتماعي. عذراً لك السيدة وزيرة التنمية الاجتماعية، وتباً للسيبرانية التي ما زالت تتمادى وتخوض بنا حروباً دونكشوتية لا تميّز ولا تستثني أحداً منا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا