✳️ *مراكز الأبحاث والدراسات العربية: خطورة التمويل الغربي بين ارتهان الأجندات ومأزق فقدان السيادة”* ✳️
*عدنان عبدالله الجنيد – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين* …..
*مقدّمة*
استلاب العقل الاستراتيجي كيف تحوّل التمويل الغربي من “معونة” إلى أداة جاسوسية وتغريبية أعادت توجيه مراكز الأبحاث عن قضاياها المركزية؟
*المعونة حين تُقرأ بعيون الصراع الحضاري*
لم يكن المال، في تاريخ الصراع بين الأمم، عنصرًا محايدًا أو وسيلة بريئة، بل كان دومًا أحد أخطر أدوات النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة. ففي التجربة الإسلامية، ولا سيما عبر العصور الإسلامية، ارتبط الإنفاق العام وبيت المال بوظيفة سيادية واضحة: حفظ الهوية، وتمكين القرار، وبناء القوة الحضارية.
ولم يكن المال أداة اختراق أو استتباع، بل وسيلة تحصين واستقلال. غير أن المشهد انقلب في العصر الحديث، حين تحوّل التمويل – وخصوصًا الغربي – إلى أداة مركبة للهيمنة الناعمة، لا تكتفي بإدارة الاقتصاد أو الإغاثة، بل تستهدف الوعي، والقيم، واتجاهات التفكير، وتعيد صياغة النخب ومختبرات القرار من الداخل.
وفي قلب هذا التحوّل، برزت مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية بوصفها ساحة الاشتباك الأخطر؛ إذ لم تعد الحرب تُخاض بالسلاح وحده، بل بالدراسات، والاستبيانات، وتقارير السياسات، وإعادة تعريف المفاهيم. وقد وفّر الغرب لهذه المراكز فضاءً واسعًا من الدعم المؤسسي والتمويل السخي، ما مكّنها من التحوّل من مؤسسات معرفية مستقلة إلى بيوت خبرة وظيفية تؤثر مباشرة في القرار السياسي، وصناعة الرأي العام، وهندسة المجتمعات.
*أولًا: التمويل بوصفه بنية اختراق لا فعل إحسان:*
ينطلق هذا المقال من فرضية مركزية:
أن التمويل الغربي الموجّه إلى مراكز الأبحاث في العالم العربي والإسلامي ليس دعمًا معرفيًا محضًا، بل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يعمل على مسارين متوازيين ومتكاملين:
مسار استخباري ناعم: جمع معلومات دقيقة تعجز عنها الأجهزة التقليدية.
مسار تغريبي ثقافي: إعادة تشكيل وعي النخب والباحثين وفق النموذج القيمي الغربي.
وبين هذين المسارين، تُدار شبكة معقّدة من المصالح تحت عناوين براقة: التنمية، الحوكمة، حقوق الإنسان، بناء السلام، تمكين المرأة، ومكافحة التطرف.
*ثانيًا: خريطة الاختراق – قنوات التمويل ومسارات الهيمنة:*
يتدفق التمويل الخارجي إلى مراكز الأبحاث عبر روافد متعددة تضمن بقاءها ضمن المجال الحيوي للممول:
المنظمات الدولية مثل (UNDP) والبنك الدولي، التي تفرض أجندات “الإصلاح الهيكلي” و“الحوكمة” وفق الرؤية النيوليبرالية، مع تحييد مفاهيم السيادة والتحرر.
المؤسسات غير الحكومية الغربية كمؤسسة فورد و”المجتمع المفتوح”، التي توجّه البحث نحو الديمقراطية الإجرائية والهويات الجزئية، مع إقصاء قضايا الاحتلال والمقاومة.
الفروع الإقليمية للمراكز الغربية مثل كارنيغي وبروكينجز، التي تعمل كأذرع فكرية مباشرة للقوى الكبرى داخل العواصم العربية، وتُعيد إنتاج الرؤية الغربية بلسان محلي.
*ثالثًا: البعد الجاسوسي – حين تتحوّل المساعدات إلى عينٍ ترى كل شيء*
تشير وقائع عديدة إلى أن العمل الإغاثي والبحثي وفّر غطاءً مثاليًا لجمع المعلومات، عبر:
ـ الوكالات ذات الوجه المزدوج
ـ منظمات ترتبط عضويًا أو وظيفيًا بأجهزة استخبارات دولها، تجمع بيانات عن:
ـ البنى القبلية والاجتماعية
ـ التوجهات الدينية والفكرية
ـ مستويات السخط السياسي
ـ خرائط الولاء والنفوذ
ـ المساعدات المشروطة
ـ تمويل مقرون بتسهيل حركة خبراء أجانب، وتمرير دراسات ميدانية حساسة، ومنح حصانات غير مبررة.
ـ استغلال لحظات الهشاشة في أوقات الكوارث والحروب، حيث تتعطل الرقابة، تتحوّل الإغاثة إلى عملية مسح شامل للبنية المجتمعية، فتغدو الأزمة الإنسانية فرصة استخبارية ذهبية.
*رابعًا: من البحث العلمي إلى “التجسس الناعم”:*
تحوّلت مراكز أبحاث كثيرة من فضاءات معرفية مستقلة إلى مقاولين معرفيين، يُنتجون ما يطلبه الممول لا ما تحتاجه الأمة. ويُطلب من الباحثين إجراء استطلاعات حول قضايا شديدة الحساسية مثل:
ـ التدين لدى الشباب
ـ الموقف من المقاومة
ـ البنية المذهبية والقبلية
ـ الثقة بالمؤسسات والقوى الفاعلة
ثم تُحوَّل هذه النتائج إلى قواعد بيانات استراتيجية تُستخدم في إدارة الصراع، وهندسة التحولات الاجتماعية، وتوجيه التدخلات السياسية والأمنية.
*خامسًا: مشروع التغريب – إعادة صياغة المرجعية والهوية:*
إذا كان البعد الجاسوسي يستهدف “ما هو كائن”، فإن البعد التغريبي يستهدف “ما يجب أن يكون”:
ـ تغيير المناهج والمرجعيات
ـ إقصاء المرجعية الإسلامية لصالح النموذج الغربي تحت شعارات التحديث.
ـ تمييع الهوية الدينية
ـ دعم قراءات “معلمنة” للإسلام تُفرغه من بُعده التحرري والسيادي.
ـ إعادة تعريف المفاهيم
ـ فرض مفاهيم الجندر والحريات الليبرالية بوصفها حقائق كونية.
ـ صناعة المثقف الوظيفي
ـ ابتعاث النخب وإعادة تشكيل وعيها، لتعود ناطقة باسم الممول لا باسم الأمة.
*سادسًا: فلسطين… من قضية تحرر إلى “ملف إنساني”:*
تُعد القضية الفلسطينية الضحية الأكبر لهذا الانحراف؛ إذ جرى:
ـ نزع صفتها السياسية وتحويلها من صراع تحرر وطني إلى أزمة إغاثية.
ـ فرض اشتراطات سياسية (كشهادات مكافحة الإرهاب لـ USAID) تمنع أي بحث يؤصّل لحق المقاومة.
ـ تمويل مسارات بديلة كالسلام الاقتصادي والتعايش، بما يخدم تثبيت الاحتلال.
*سابعًا: النتائج الكارثية – البحث كأداة احتواء لا تحرر:*
أسفر هذا الارتهان عن:
ـ صناعة وعي زائف يبرئ السياسات الاستعمارية ويلقي اللوم على الثقافة المحلية.
ـ إهدار معرفي بتحويل الباحث المحلي إلى جامع بيانات مجاني.
ـ استلاب معرفي لنخبة مغتربة تخاطب الغرب بلغة ترضيه وتنفصل عن هموم شعوبها.
من التمويل إلى السيادة المعرفية:
إن أخطر ما في التمويل الغربي ليس شروطه المعلنة، بل وظيفته غير المعلنة في مصادرة القرار واستلاب العقل الاستراتيجي. فالأمة التي يُصاغ وعيها بأموال غيرها، لا تملك مستقبلها. وقد آن الأوان للانتقال من منطق التلقي إلى منطق السيادة المعرفية، ومن وهم الحياد البحثي إلى وعي الصراع الحضاري، وبناء منظومات تمويل مستقلة تجعل البحث العلمي أداة للتحرر لا وسيلة للاحتواء.
إن الغرب لا يشتري البحث فقط، بل يشتري المرجعية التي يُقرِّر من خلالها العرب مستقبلهم. وبعد استيعابنا لخطورة التمويل الغربي الذي يوجه إلى مراكز الأبحاث في الوطن العربي، فإنه من الضروري أن نلقي الضوء على المشاكل والمعوقات والصعوبات والتحديات التي تواجه هذه المراكز في مسيرتها.
لا شك أن الواقع الذي تعيشه مراكز البحث العربية يحفل بالعديد من العراقيل التي تحد من قدرتها على أداء دورها الريادي في صناعة المعرفة واتخاذ القرارات المؤثرة في الساحة الإقليمية والدولية.
المشكلات والمعوّقات والصعوبات والتحدّيات التي تواجه مراكز الأبحاث والدراسات في الوطن العربي: دراسة تحليلية مقارنة بالنموذج الغربي.
أصبحت مراكز البحوث والدراسات في العصر الحديث من أهم أدوات إنتاج المعرفة وصناعة القرار، وغدت مؤشرًا رئيسيًا على تطور الدول ونضجها الحضاري. فقد أدركت الدول المتقدمة أن القوة الحقيقية لا تُصنع بالسلاح وحده، بل تُبنى بالعقل، وبالقدرة على الفهم والتحليل واستشراف المستقبل، وهو ما جعل مراكز الأبحاث بمثابة «خزانات تفكير» توجه السياسات العامة، وتؤثر في الرأي العام، وتدير الصراعات بأدوات فكرية وثقافية أكثر فاعلية من الحروب التقليدية.
إعادة تشكيل منظومات القيم والاتجاهات العامة. وفي هذا السياق، برزت مراكز الأبحاث بوصفها أداة محورية في إدارة الصراع الناعم، ورافدًا أساسيًا في توجيه صناع القرار، بل وفي التأثير العميق على الرأي العام والقطاعات الحيوية في المجتمعات. وقد أتاح الغرب لهذه المراكز فضاءً واسعًا من الحرية، والدعم المؤسسي، والتمويل السخي، ما مكّنها من أداء دورها بفاعلية عالية، وأفضى إلى تكاثرها وانتشارها، وتحولها إلى بيوت خبرة حقيقية تؤدي وظائف تحليلية واستشرافية وتوجيهية، تتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق إلى التأثير المباشر في السياسات العامة والاستراتيجيات الوطنية والدولية.
وفي المقابل، يكشف الواقع العربي عن فجوة واضحة بين هذه الأهمية المتعاظمة وبين الدور الفعلي لمراكز البحوث والدراسات؛ إذ لا تزال محدودة العدد والتأثير، ضعيفة الارتباط بصناعة القرار، وغالبًا ما تبقى مخرجاتها حبيسة الأدراج، بعيدة عن التحول إلى سياسات أو حلول عملية.
ومع تسارع التحولات السياسية العالمية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لهذه المراكز بوصفها ضرورة استراتيجية، لا ترفًا معرفيًا، وأداة أساسية لبناء الوعي، وتعزيز الاستقلال المعرفي، ومواجهة التحديات المعاصرة بقدر أعلى من الفهم والنضج والفاعلية.
*أولًا: المشكلات التي تواجه مراكز الأبحاث في الوطن العربي*
1- مشكلة ضعف التمويل البحثي
تعاني مراكز الأبحاث العربية من ضعف مزمن في التمويل، إذ لا يتجاوز الإنفاق العربي على البحث العلمي (0.2–0.3%) من الناتج القومي، مقابل أكثر من (2.5–4%) في الدول المتقدمة.
الوضع السيّئ عربيًا:
تعتمد غالبية المراكز على تمويل حكومي محدود أو دعم موسمي غير مستقر، أو جهات أجنبية ومنظمات عالمية من ما تفتقد المصداقية والتشكيك في مخرجاتها، ما يؤدي إلى تعطّل المشاريع البحثية أو خضوعها للأولويات السياسية.
الوضع غربيًا:
في الولايات المتحدة وأوروبا، تحظى مراكز الفكر بتمويل مستدام من الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الوقفية، مثل مؤسسة “راند” و”بروكينغز”، مع استقلالية كاملة في تحديد أجندتها البحثية.
2- مشكلة غياب الاستقلالية والحياد العلمي:
تتعرّض العديد من المراكز العربية لضغوط سياسية مباشرة أو غير مباشرة، ما ينعكس على مضمون الدراسات ونتائجها
الوضع السيّئ عربيًا:
يُطلب من الباحث أحيانًا “تكييف” النتائج بما لا يتعارض مع الخطاب الرسمي، مما يفقد البحث قيمته العلمية.
الوضع غربيًا:
تُعدّ الاستقلالية مبدأً مقدّسًا في مراكز الأبحاث الغربية، حيث تُنشر الدراسات حتى لو انتقدت الحكومة نفسها، ويُنظر إلى النقد العلمي كقيمة مضافة للدولة.
3- مشكلة هجرة العقول البحثية
تشهد الدول العربية نزيفًا مستمرًا للكفاءات البحثية نتيجة ضعف البيئة العلمية والمردود المادي (منظمة العمل الدولية).
الوضع السيّئ عربيًا:
الباحث العربي يهاجر بحثًا عن الاستقرار الأكاديمي والحرية والتمويل.
الوضع غربيًا:
الغرب يستقطب الباحثين من مختلف دول العالم، ويوفّر لهم بيئة بحثية محفّزة، ومختبرات متقدمة، ومسارات مهنية واضحة.
ثانيًا: المعوّقات التي تعيق عمل مراكز الأبحاث:
1-المعوّقات السياسية والمؤسسية
تفرض بعض الأنظمة قيودًا على البحث في قضايا حسّاسة كالأمن والسياسة والاقتصاد.
الوضع السيّئ عربيًا:
الرقابة المسبقة والخوف من المساءلة يُفرغان البحث من جرأته وعمقه وتطبيع معظم الأنظمة مع الاستكبار العالمي ،واصطناع الحركات التكفيرية الإرهابية لتنفيذ المشروع الاستعماري الاستكبار العالمي ، وعلماء السوء وتحريف المفاهيم.
الوضع غربيًا:
تحمي القوانين حرية البحث والتعبير، وتمنح الباحث حصانة أكاديمية.
2- معوّقات تتعلّق بالباحث نفسه
يعاني الباحث العربي من ضعف الحوافز وتراكم الأعباء الإدارية.
الوضع السيّئ عربيًا:
الباحث منشغل بتأمين لقمة العيش أكثر من الانشغال بالإنتاج المعرفي،ومحاربة كل الأقلام الحرة.
الوضع غربيًا:
يتفرغ الباحث كليًا للبحث، مع حوافز مالية ومعنوية مرتبطة بجودة الإنتاج.
ثالثًا: الصعوبات التشغيلية والفنية:
1- صعوبة الوصول إلى المعلومات
غياب الشفافية وتقييد البيانات من أكبر معوقات البحث العلمي (منظمة الشفافية الدولية).
الوضع السيّئ عربيًا:
البيانات الحكومية إمّا محجوبة أو غير محدثة، والمعركة هي معركة وعي أولا وهذا ما يفتقره كثير من الأنظمة العربية.
الوضع غربيًا:
تتبنّى الدول الغربية سياسة “البيانات المفتوحة”، ما يسهّل البحث والتحليل.
2- ضعف تسويق ونشر المنتج البحثي
تبقى كثير من الدراسات العربية حبيسة الأدراج.
الوضع السيّئ عربيًا:
غياب استراتيجيات النشر والتواصل مع الإعلام وصنّاع القرار.
الوضع غربيًا:
تُحوّل الدراسات إلى سياسات عامة، وتُناقش في البرلمانات ووسائل الإعلام.
رابعًا: التحدّيات الاستراتيجية المستقبلية:
1- تحدّي العولمة وهيمنة النموذج المعرفي الغربي
تواجه المراكز العربية صعوبة في بناء خطاب معرفي مستقل (اليونسكو).
الوضع السيّئ عربيًا:
التبعية المعرفية واستنساخ النماذج دون مواءمة للسياق المحلي.
الوضع غربيًا:
إنتاج معرفة وطنية تُصدَّر للعالم وتؤثّر في السياسات الدولية.
2-تحدّي ربط البحث بصناعة القرار
يُعدّ هذا التحدي من أخطر الإشكالات.
الوضع السيّئ عربيًا:
فصل شبه تام بين الباحث وصانع القرار.
الوضع غربيًا:
القرار السياسي يُبنى على دراسات معمّقة وسيناريوهات علمية.
يؤكد هذا العرض المقارن أنّ أزمة مراكز الأبحاث في الوطن العربي ليست في نقص العقول، بل في غياب البيئة الحاضنة، مقابل نموذج غربي أدرك مبكرًا أنّ المعرفة هي جوهر القوة. ومن دون إصلاح بنيوي شامل يضمن التمويل، والاستقلالية، والحرية الأكاديمية، ستظل مراكز الأبحاث العربية عاجزة عن أداء دورها الحضاري والتنموي.
وبعد إدراك خطورة التمويل الغربي وما يترتب عليه من تشويه للوظيفة المعرفية، إلى جانب استيعاب حجم المشاكل والمعوقات والصعوبات والتحديات البنيوية التي تكبّل مراكز الأبحاث والدراسات في الوطن العربي، تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال من التشخيص إلى المعالجة، ومن النقد إلى تقديم الحل الجذري الذي يعيد لهذه المراكز أدوارها الحقيقية، ويسترد لها مكانتها وأهدافها وتصنيفها الطبيعي، بعد أن جُرّدت منها قسرًا تحت وطأة الهيمنة والاستلاب الذي فرضه الاستكبار العالمي.
إن استعادة الدور الحضاري والوظيفي لمراكز الأبحاث لا يمكن أن تتم عبر حلول ترقيعية أو إصلاحات شكلية، بل تتطلب تبنّي مشروعٍ ثوريٍّ تحرّريٍّ نهضويٍّ شامل، يقوم على الولاية الإلهية، ويتغذّى من الثقافة القرآنية بوصفها منظومة وعي وبناء وقيم، ويقطع مع الثقافات الغربية الهزيلة التي لم تورّث أمتنا سوى الذل والخضوع والهوان، ورسّخت منطق الاستسلام، ومهّدت لنهب الثروات وتجفيف منابع القرار السيادي
أهمية مراكز البحوث والدراسات:
1- القيمة الاستراتيجية:
أضحت مراكز البحوث في العصر الحديث بمثابة خزانات تفكير وبيوت خبرة استراتيجية، تُناط بها مهمة صياغة السياسات العامة، وتحليل المعطيات المعقّدة، واستشراف التحولات المستقبلية. ولم تعد هذه المراكز كيانات أكاديمية محايدة فحسب، بل تحوّلت إلى أدوات محورية في إدارة الصراع الناعم، والتأثير في الرأي العام، وتوجيه صناع القرار، وإعادة تشكيل منظومات القيم والاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما تلعب دورًا محوريًا في دعم القرار السياسي، عبر تقديم بدائل مدروسة قائمة على الأدلة العلمية والتحليل المنهجي، بما يحدّ من العشوائية، ويعزّز فاعلية السياسات، ويرفع كلفة الخطأ في البيئات المعقّدة والمتغيرة.
2- الأدوات المعرفية والتطبيقية:
تسهم مراكز الأبحاث في تحويل النظريات الأكاديمية إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ، وتوظّف أدوات التنبؤ العلمي وتحليل السيناريوهات لرصد المخاطر الاستباقية، سواء كانت أزمات اقتصادية، أو تهديدات سيبرانية، أو نزاعات إقليمية ودولية. كما تضطلع بدور متقدم في تفعيل الدبلوماسية الموازية، بما يسمح بإدارة الأزمات وحل النزاعات خارج الأطر الرسمية الجامدة، وتهيئة بيئات تفاوض أكثر مرونة وفعالية. وتؤدي هذه المراكز كذلك وظيفة توعوية مهمة، من خلال رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتبسيط المعرفة، وتوجيه الرأي العام بما يخدم المصلحة الوطنية، ويعزز مسارات التنمية المستدامة والاستقلال الاستراتيجي.
3- تعزيز الاستقلال الفكري: يُعدّ الاستقلال الفكري أحد أبرز مقومات العمل البحثي الرصين، إذ لا قيمة لبحوث تُدار من خارج سياقها الحضاري، أو تُموَّل بشروط تمسّ جوهر السيادة المعرفية.
ومن هنا، تبرز ضرورة توفير بيئة بحثية حرة، تضمن للباحثين استقلال القرار العلمي، وتحرّرهم من الإملاءات السياسية والتمويل المشروط، بما يرسّخ الموضوعية، ويمنح المعرفة بعدها التحرري الحقيقي.
ثانيًا: التحول نحو البحث المؤسسي
لم يعد البحث الفردي قادرًا على الإحاطة بتعقيدات الواقع المعاصر، الأمر الذي يفرض الانتقال إلى البحث المؤسسي المنظّم، القائم على فرق متعددة التخصصات، تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والاجتماع والأمن. ويتيح هذا النموذج تراكم الخبرات داخل المؤسسة، وضمان استدامة المعرفة، وتطوير الدراسات بشكل دوري، بما يواكب التسارع الهائل في المتغيرات الدولية والإقليمية.
ثالثًا: أهداف ومهام مراكز الأبحاث:
تتجسد مهام مراكز الأبحاث في إنتاج المعرفة الرصينة، من خلال البحوث والدراسات والكتب والتقارير التحليلية المتخصصة، ودعم اتخاذ القرار عبر تزويد القيادات بصور دقيقة للواقع، وتحليلات مستقبلية متعددة السيناريوهات. كما تسهم في رفع الوعي العام عبر الندوات وورش العمل والنشر المعرفي، وتضطلع بمهمة استشراف المستقبل، من خلال رسم البدائل الاستراتيجية في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن الوطني، وتوجيه السياسات العامة بناءً على قراءة دقيقة لموازين القوى والتحولات الدولية.
رابعًا: التصنيفات والمكونات الأساسية
تُصنّف مراكز الأبحاث بحسب تبعيتها إلى مراكز أكاديمية (جامعية)، وخاصة، وحكومية، كما تُصنّف بحسب توجهاتها الفكرية إلى ليبرالية، أو محافظة، أو شبه رسمية. وتقوم فعاليتها على مجموعة من المكونات الأساسية، أبرزها: استقلالية العمل البحثي، والالتزام الصارم بمنهجية البحث العلمي، والقدرة على التأثير في صناعة القرار، ومواءمة مخرجات البحث مع حاجات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
خامسًا: مقومات النجاح وتحقيق الأهداف:
يتطلب نجاح مراكز الأبحاث توافر الرصانة العلمية والاستقلالية الفكرية، والنشر العلمي الموثوق، وسرعة الاستجابة للأحداث عبر أوراق تحليلية واستراتيجية آنية، إضافة إلى توفير بيئة بحثية مستدامة، تشمل موارد بشرية متخصصة، وبنية تحتية معرفية متقدمة، وتمويلًا وطنيًا مستقلًا يحفظ السيادة المعرفية.
خاتمة: الوعي الاستراتيجي بالمراكز البحثية:
إن مراكز الأبحاث والدراسات ليست مؤسسات ثقافية هامشية، بل تمثّل ضرورة وطنية واستراتيجية لبناء المعرفة، وصناعة القرار، واستثمار الكفاءات، ومنع هجرة العقول. إنها الأداة الأنجع لتحويل التحديات إلى فرص، ولتوثيق المعرفة بوصفها رصيدًا استراتيجيًا، يُبنى عليه مستقبل الأجيال القادمة على أسس علمية راسخة،وسيادة فكرية لا تُستلب.
وها هي مراكز الأبحاث اليوم بين المطرقة والمعول: بين المعرفة الحقيقية والسيطرة الغربية، بين البناء الحضاري والاستلاب الناعم. إن أمة لا تملك عقلها، لا تملك مستقبلها، وأمة تبني بحثها على استقلالها، تصنع حاضرها وتكتب تاريخها. فلتكن هذه الدراسة منارة تنير الطريق نحو سيادة معرفية لا تُقهر، وعقل عربي مستنير لا يُستلب.
الكاتب من اليمن