الصماد… معيار الدولة لا شعارها
أ.محمد البحر المحضار …..
في ذكرى الشهيد الرئيس صالح علي الصماد، لا يكون الاستدعاء الحقيقي لصورته في الخطب، ولا لاسمه في اللافتات، بل في مقارنته الصارمة بالواقع.
فالأمم لا تكرّم قادتها بالشعارات، بل بمدى التزامها بما مثّلوه فعلاً.
وهنا يبدأ السؤال الجوهري الذي لا يحبّه المترددون:
ماذا بقي من الصماد في سلوك الدولة؟
وماذا ضاع من روحه في دهاليز السلطة، حيث تختبر القيم صدقها كل يوم؟
لم يكن الصماد حالة عاطفية عابرة، ولا لحظة خطابية مؤقتة، بل مشروعاً أخلاقياً وسياسياً متكاملاً.
كان يرى المنصب عبئاً لا امتيازاً، والسلطة تكليفاً لا حصانة، والدولة خدمة لا غنيمة.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يُرتكب اليوم هو الاحتماء باسمه لشرعنة ممارسات تناقضه، أو الاحتماء بالشعارات الكبيرة لتمرير أخطاء صغيرة، تتكاثر بصمت حتى تُفرغ المشروع من روحه، والمعنى من محتواه، وتحوّل السلطة إلى قيمة قائمة بذاتها.
هنا تتجلى المفارقة الفلسفية الكبرى:
السلطة بلا قيمة تتحول إلى قوة عمياء،
والقيمة بلا سلطة تبقى حلماً معلقاً.
أما الصماد، فكان يسعى إلى سلطة منضبطة بالقيمة، لا قيمة خاضعة للسلطة.
ولذلك كان مستهدفاً، لأن هذا النوع من القيادة يُربك مشاريع الهيمنة، ويُفشل منطق الوصاية، ويُسقط الأقنعة مبكراً.
قال الله تعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
بهذا الميزان تُقاس الدول، وبه تُختبر القيادات؛ وتُفضَح الازدواجية، ويُعرَف من يتخذ الخطاب ستاراً، ومن يجعل الفعل ترجماناً صادقاً للكلمة؛ لا بعدد البيانات ولا بزخم الخطاب، بل بصدق الفعل واتساقه مع القول.
ثمّة فرق جوهري بين من يعمل تحت راية المسيرة باعتبارها منهج التزام ومسؤولية، وبين من يتخذ من الراية غطاءً للمصلحة وأخذ الامتياز، ومن ثم الانحراف.
الأول يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب غيره، ويخشى الزلل ولو كان صغيراً، لأن الانحراف الصغير إذا سُكِت عنه، والخطأ إذا سُوِّغ، تحوّل إلى قاعدة.
أما الثاني فيُكثر من الشعارات ويُفرغها من مضمونها، فيكثر كلامه ويقل فعله، ويرفع السقف في الخطاب، ويخفضه في السلوك، حتى تتسع الفجوة ويتعمق الشرخ بين الدولة والناس، وتتحول المسؤولية إلى سلطة بلا ضمير.
وهنا يصبح الصمت شراكة غير معلنة؛ لا لأن الصادقين فاسدون، بل لأن ترك الساحة للمنحرفين يسمح لهم بتشويه المشروع من الداخل، والإيحاء زوراً بأن ممارساتهم تمثّل المسيرة، بينما هي في الحقيقة نقيضها الأخلاقي والقرآني.
فالمسيرة القرآنية، كما أرادها القائد، وكما دفع ثمنها الشهداء والجرحى والمجاهدون والأحرار، لا تقوم على ظلم، ولا تُدار بالفساد، ولا تُحمى بإساءة استخدام السلطة.
لأن المشروع القرآني لا يُقاس بمن يرفع رايته، بل بمن يلتزم بحدوده.
إن العبث بالوظيفة العامة، أو التسلّط باسم المسؤولية، أو إساءة استخدام النفوذ، ليست أخطاء إدارية عابرة يمكن تبريرها بالظروف أو تسويفها بالوقت.
إنها انتهاكات وثقوب أخلاقية صريحة تهدد أي مشروع من الداخل.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام:
«إنما يُستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده»؛
فالسمعة هنا ليست دعاية، بل شهادة مجتمع، ولا تُصنَع بالتقارير، بل تُكتَب بسلوك يومي.
وحين تتحول السلطة إلى غاية، تسقط القيم، وحين تبقى القيم غاية، تُهذَّب السلطة.
التاريخ لا يُسقِط الدول حين تُهزم عسكرياً فقط، بل حين تفشل أخلاقياً، وحين تنفصل السلطة عن الناس، فتراهم عبئاً لا أمانة، وأرقاماً لا شركاء.
وهنا تحديداً كان الصماد مختلفاً؛ قريباً من الناس لا متعالياً عليهم، حازماً بلا استعراض، واضحاً بلا ضجيج، صلباً بلا قسوة.
ومن هنا تأتي المعاتبة قبل الإدانة.
معاتبة الصادقين من رجال الدولة: لا تصمتوا بحجة الحكمة، ولا تؤجلوا المواجهة باسم المصلحة، فالصمت الطويل يُربك الحق، ويمنح الخطأ شرعية زائفة.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«الساكت عن الحق شيطان أخرس»؛
وما بين الصمت والقول مسؤولية لا يعفي منها حسن النية.
وإليكم جملة فاصلة لا تحتمل التأويل ولا المجاملة:
من يظن أن السكوت عن الفاسد حفاظٌ على المشروع، فهو يسيء إلى المشروع أكثر مما يسيء إليه الفاسد نفسه؛ لأن الفساد الفردي يُدان، أما الفساد المسكوت عنه فيتحول إلى صورة عامة تُحمَّل ظلماً على المسيرة والقيادة والتضحيات.
فليعلم الجميع أن منهج سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، والمسيرة القرآنية، وكل تضحيات المجاهدين والشهداء والجرحى والأحرار، أسمى وأطهر من أن يمثلها فاسد أو ظالم أو متلاعب.
هؤلاء لا يشبهون المشروع، ولا يعبّرون عنه، لكن السكوت عنهم يفتح لهم باب العبث، ويمنحهم فرصة الإساءة إلى دماء سالت من أجل أن تقوم دولة العدل لا دولة الامتياز.
وقبل الختام أوجه رسالة مباشرة واضحة اللهجة لا لبس فيها:
إلى كل من تسوّل له نفسه العبث بالأمن والأمان، أو التلاعب باسم القرآن، أو أكل الحقوق، أو ظلم الناس مستخدماً السلطة غطاءً، والصلاحيات وسيلة، والمنصب درعاً، ومتستراً بمنصبه تحت مظلة الجهاد، أو متخفياً بعباءة أنصار الله، متحصناً بصلاحياته و متدثراً بعباءة المسيرة؛ إنما يضع نفسه في مواجهة هذا الشعب أولاً، وفي مواجهة الحق ثانياً، وفي مواجهة سنة الله في التغيير ثالثاً، ولن تحميه الشعارات حين يحين الحساب.
اعلموا أنكم لا تمثّلون هذا المشروع، ولا القائد، ولا الشهداء، ولا الجرحى، ولا هذا الشعب، وأن استمراركم مرهون بالسكوت فقط لا بالشرعية، وأن ساعة انكشافكم — أخلاقياً قبل أن تكون إدارياً — آتية لا محالة.
الصماد لم يكن معصوماً، لكنه كان واضح البوصلة: واضحاً في علاقته بالله، واضحاً مع الناس، واضحاً في تحمّل المسؤولية. ولذلك فإن الوفاء له لا يكون بالبكاء عليه، بل بمحاسبة أنفسنا على ضوء ما كان يمثّله.
وقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «العدل أساس المُلك»، وما سواه زائل ولو طال.
وهكذا يبقى الصماد معياراً لا شعاراً، ومقياساً لا لافتة، وسؤالاً مفتوحاً في وجه كل من تولّى أمراً من أمور الناس:
هل نُشبه ما نقول؟
وهل نجسّد ما نرفع؟
وهل نحن على قدر هذا الشعب الذي قدّم القائد والشهيد والجرحى، ويستحق دولة تُشبه تضحياته؟
مدير عام مكتب التخطيط م/شبوة
الكاتب من اليمن