فادي السمردلي يكتب: هل حان الوقت لتحويل البلديات إلى قاطرة للتنمية؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
أصبحت التنمية اليوم معيارًا أساسيًا لقياس تقدم الدول ونجاح مؤسساتها، ولم يعد مقبولًا أن تبقى البلديات محصورة في إطارها التقليدي كجهات خدمية تقتصر مهمتها على النظافة العامة وصيانة الطرق وإنارة الشوارع فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، إلى جانب تطلعات المواطنين نحو حياة أفضل، تفرض إعادة التفكير بعمق في دور البلديات، وسنطرح سؤال جوهري هل حان الوقت لتحويل البلديات إلى قاطرة حقيقية للتنمية المحلية؟
إن البلديات تمتلك ميزة لا تتوفر لغيرها من المؤسسات الحكومية، وهي قربها المباشر من المواطنين فهذا القرب يجعلها الأكثر قدرة على فهم الواقع اليومي للناس، والأكثر اطلاعًا على مشكلاتهم الحقيقية واحتياجاتهم الفعلية فبينما تعتمد الجهات المركزية غالبًا على تقارير عامة وإحصاءات قد تكون بعيدة عن التفاصيل الدقيقة، تعيش البلديات تفاصيل المجتمع المحلي بكل تعقيداته، من البطالة بين الشباب، إلى نقص الخدمات، إلى ضعف الفرص الاقتصادية فهذه المعرفة المباشرة تؤهلها لتكون الجهة الأقدر على اقتراح الحلول الواقعية ورسم أولويات التنمية.
لكن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق إذا بقيت البلديات أسيرة مفهومها التقليدي كمجرد جهاز خدمي والمطلوب اليوم هو انتقال واعٍ ومدروس نحو دور تنموي شامل فالبلدية يمكن أن تكون محركًا اقتصاديًا حقيقيًا في محيطها الجغرافي، من خلال العمل على جذب الاستثمارات المحلية والخارجية، وتوفير بيئة مناسبة لإقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودعم المبادرات الشبابية، واستثمار الموارد المحلية المتاحة بطريقة ذكية ومستدامة فعندما تنجح البلدية في خلق فرص عمل جديدة، أو في دعم مشروع منتج يعود بالنفع على المجتمع، فإن أثرها يتجاوز بكثير حدود الخدمات التقليدية، ليصل إلى تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يحدث بمجرد النوايا الحسنة، بل يحتاج إلى تمكين حقيقي للبلديات على مستويات عدة فمنح البلديات صلاحيات أوسع في اتخاذ القرار يمكّنها من التحرك بسرعة ومرونة لمواجهة التحديات المحلية كما أن توفير موارد مالية كافية يعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع تنموي، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية دون وجود ميزانيات قادرة على دعم الخطط والبرامج إضافة إلى ذلك، فإن تطوير الإدارة المالية داخل البلديات، واعتماد أساليب حديثة في التخطيط والحوكمة، يسهم في رفع كفاءتها ويعزز من قدرتها على إدارة الموارد بشكل مسؤول وفعّال.
ولا يقل عن ذلك أهمية الالتزام بمبادئ الشفافية والمساءلة فكلما كانت أعمال البلدية واضحة أمام المواطنين، وكلما شعر الناس أن هناك رقابة حقيقية على الأداء، زادت الثقة المتبادلة بين الطرفين وهذه الثقة تشكل أساسًا متينًا لأي عملية تنموية ناجحة كما أن إشراك المجتمع المحلي في التخطيط واتخاذ القرار يمنح المواطنين شعورًا بأنهم شركاء في بناء مدينتهم أو بلدتهم، لا مجرد متلقين للخدمة فالمشاركة المجتمعية تفتح الباب أمام أفكار جديدة، وتعزز من الإحساس بالمسؤولية الجماعية تجاه المصلحة العامة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال الدور المحوري للتشريعات القانونية في دعم هذا التحول فالقوانين هي التي تحدد الإطار الذي تتحرك ضمنه البلديات، وهي التي تمنحها أو تقيد صلاحياتها لذلك، فإن أي توجه جاد نحو تحويل البلديات إلى مؤسسات تنموية فاعلة يجب أن يرافقه تطوير في التشريعات، بحيث تتيح مزيدًا من الاستقلالية الإدارية والمالية، وتنظم العلاقة بينها وبين الحكومة المركزية على أساس التكامل والتعاون، لا التبعية والجمود.
في المحصلة، فإن الإجابة عن السؤال المطروح في عنوان هذا المقال تبدو واضحة نعم، لقد حان الوقت فعلًا لتحويل البلديات إلى قاطرة للتنمية فالمجتمعات التي تريد مستقبلًا أفضل لا بد أن تبدأ من تمكين إداراتها المحلية، لأنها الأقرب إلى الناس، والأقدر على ترجمة احتياجاتهم إلى مشاريع واقعية وعندما تتحول البلديات إلى مؤسسات تقود التنمية بوعي وكفاءة ومسؤولية، فإن أثر ذلك سينعكس مباشرة على حياة المواطنين، ويؤسس لنهضة حقيقية تنطلق من القاعدة نحو القمة.
الكاتب من الأردن