فادي السمردلي يكتب: القروض الاستهلاكية في مواجهة التمويل الإنتاجي معركة غير متكافئة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
تكشف بيانات البنك المركزي عن تحوّل لافت في بنية الائتمان داخل الاقتصاد، حيث يتزايد اعتماد البنوك على إقراض الأفراد مقابل تراجع نسبي في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة فهذا التحول لا يمكن قراءته كرقمٍ مالي مجرد، بل بوصفه مؤشرًا اقتصاديًا واجتماعيًا عميق الدلالة، يعكس اختلالًا في الأولويات الائتمانية ويطرح تساؤلات جدية حول المسار الذي يسير فيه الاقتصاد الوطني فحين ترتفع مديونية الأفراد إلى نحو 14.3 مليار دينار بنهاية الربع الثالث من عام 2025، بالتزامن مع ضغوط المعيشة وضعف السيولة والدخل، فإن ذلك يعني أن القروض لم تعد أداة لتحسين مستوى الحياة بقدر ما أصبحت وسيلة لتغطية الاحتياجات الأساسية وسد الفجوات اليومية في الإنفاق.
الأسباب الكامنة خلف هذا المشهد متعددة ومترابطة فمن جهة، أدى ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القوة الشرائية إلى دفع شريحة واسعة من المواطنين نحو الاقتراض لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل ركود نسبي في الأجور ومحدودية فرص العمل ذات الدخل المستقر. ومن جهة أخرى، تميل البنوك بطبيعتها إلى تفضيل القروض الاستهلاكية للأفراد لأنها أقل مخاطرة وأسرع عائدًا مقارنة بتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تتطلب دراسات أعمق وتتحمل نسب تعثر أعلى. كما أن البيئة الاستثمارية غير المستقرة، والإجراءات البيروقراطية، وصعوبة الوصول إلى الضمانات، كلها عوامل تجعل تمويل المشاريع الإنتاجية أقل جاذبية للمؤسسات المالية، ما يفاقم اختلال التوازن في توزيع الائتمان.
أما على مستوى الأفراد، فإن ارتفاع المديونية يحمل آثارًا مباشرة وغير مباشرة. فحين تتحمل أكثر من نصف الأسر التزامات مالية مستمرة، تصبح جزءًا كبيرًا من دخولها موجهًا لسداد الأقساط والفوائد بدلًا من الادخار أو الاستهلاك الصحي وهذا الواقع يولّد ضغوطًا نفسية واجتماعية متزايدة، ويحدّ من قدرة الأسر على مواجهة الطوارئ أو الاستثمار في التعليم والصحة وتحسين جودة الحياة كما أن الاعتماد المفرط على القروض قد يدخل بعض الأسر في دائرة مديونية مزمنة يصعب الخروج منها، ما يخلق هشاشة مالية على المستوى الفردي.
وعلى مستوى الاقتصاد الوطني، تبدو التداعيات أكثر عمقًا وخطورة فتراجع تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة يعني إضعاف أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل فهذه الشركات تمثل عادة العمود الفقري لأي اقتصاد متوازن، لأنها الأكثر قدرة على توليد وظائف جديدة، وتحفيز الابتكار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية وعندما تُحرم من التمويل الكافي، يتباطئ توسعها أو تتعثر مشاريعها، ما ينعكس سلبًا على معدلات التشغيل والدخل، ويؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الاعتماد على الاستهلاك الممول بالدين بدلًا من النمو القائم على الإنتاج الحقيقي كما أن تضخم الديون الاستهلاكية دون مقابل إنتاجي يعمّق العجز في الهيكل الاقتصادي ويجعل النمو هشًا ومعتمدًا على عوامل غير مستدامة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى خطوات عملية تعيد توجيه البوصلة الاقتصادية والمطلوب أولًا أن تتبنى السياسات النقدية والمالية نهجًا أكثر توازنًا في توزيع الائتمان، بحيث يتم تحفيز البنوك على زيادة تمويل القطاعات الإنتاجية، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر أدوات مثل الضمانات الحكومية، وتخفيف المخاطر، وتقديم حوافز ضريبية أو تنظيمية كما أن تحسين بيئة الاستثمار يعد شرطًا أساسيًا لجذب التمويل نحو المشاريع المنتجة، ويشمل ذلك تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتطوير البنية التحتية، ودعم ريادة الأعمال وفي الوقت نفسه، لا بد من العمل على رفع مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين وضبط تكاليف المعيشة، حتى لا يبقى القرض الاستهلاكي هو الحل الوحيد أمام الأسر لتلبية احتياجاتها.
إن استمرار الاتجاه الحالي نحو تضخم مديونية الأفراد مقابل تراجع تمويل الأنشطة الإنتاجية لا يمثل مجرد خلل مالي عابر، بل هو إنذار مبكر بضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية برمتها فاقتصاد صحي هو ذاك الذي يُوظَّف فيه الائتمان لبناء طاقات إنتاجية مستدامة، لا لتغذية الاستهلاك قصير الأجل، وحماية المجتمع من الوقوع في فخ الديون المتراكمة.
الكاتب من الأردن