فادي السمردلي يكتب:حين تصبح إعادة هيكلة الجهاز الحكومي خيارًا لا مفر منه

بقلم فادي زواد السمردلي. …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

لم تعد الدعوة إلى إعادة هيكلة الجهاز الحكومي ترفًا فكريًا أو طرحًا نظريًا يُستدعى عند الأزمات ثم يُركن جانبًا، بل أصبحت اليوم استحقاقًا حتميًا تفرضه تعقيدات الواقع الإداري والضغوط المتزايدة على المالية العامة فالتوسع غير المنضبط في عدد الوزارات والهيئات، وتراكم الهياكل الإدارية المتشابهة في الاختصاصات، أسهما في خلق منظومة مترهلة يصعب عليها الاستجابة بكفاءة لاحتياجات الدولة والمجتمع، وأنتجا في المقابل هدرًا ماليًا وإداريًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا في ظل محدودية الموارد وتزايد الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية.

إن وجود أكثر من جهة تؤدي وظائف متقاربة أو متداخلة لا يؤدي فقط إلى إرباك عملية صنع القرار، بل يضعف مبدأ المساءلة ويبدد الجهد والوقت فالمواطن غالبًا ما يجد نفسه أمام مسار إداري طويل ومعقد، لا يعرف فيه الجهة المسؤولة عن خدمته، بينما تضيع المسؤولية بين المؤسسات، ويتحول التنسيق إلى عبىء إضافي بدل أن يكون أداة لتسهيل العمل وهذا الواقع لا يعكس قوة الدولة ولا هيبتها، بل يكشف خللًا بنيويًا في طريقة إدارة مؤسساتها، مهما بدا حجم الجهاز الحكومي كبيرًا أو متشعبًا.

ورغم أن فكرة دمج الوزارات والهيئات المتشابهة مطروحة منذ سنوات، وجرى الحديث عنها في أكثر من برنامج إصلاحي، إلا أن تطبيقها ظل محدودًا ومترددًا وغالبًا ما لا يعود هذا التردد إلى غياب الرؤى أو الدراسات، بل إلى مقاومة البيروقراطية التي ترى في أي تغيير تهديدًا لمواقع النفوذ والمناصب المكتسبة فهذه المقاومة تتغذى من ثقافة إدارية تفضل الحفاظ على الوضع القائم، حتى وإن كان مكلفًا وغير منتج، وتُغلّف أحيانًا بشعارات الحرص على الاستقرار المؤسسي أو الخوف من الفراغ الإداري.

غير أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات شكلية أو إعادة تسمية المؤسسات دون المساس بجوهر المشكلة فالمطلوب هو إعادة نظر شاملة في هيكل الجهاز الحكومي، تنطلق من تقييم واقعي لوظائف الدولة وأدوار مؤسساتها، وتُعيد توزيع الصلاحيات بشكل واضح يمنع التضارب ويعزز الكفاءة فدمج الجهات المتشابهة، وإلغاء الازدواجية في المهام، يساهمان في تسريع اتخاذ القرار، وتحسين جودة الخدمات، وتوضيح خطوط المسؤولية والمحاسبة.

ولا يعني تقليص عدد الوزارات أو دمج الهيئات إضعاف الدولة أو تقليص دورها، كما يروج البعض، بل على العكس، هو خطوة أساسية لبناء دولة أكثر رشاقة وفاعلية فالدول الناجحة ليست تلك التي تملك جهازًا إداريًا ضخمًا، بل تلك التي تحسن استخدام مواردها وتدير مؤسساتها بمرونة واحتراف.كما أن تقليل الهدر المالي الناتج عن التكرار الوظيفي وتضخم الهياكل الإدارية يخفف العبىء عن الموازنة العامة، ويفتح المجال لتوجيه الإنفاق نحو أولويات حقيقية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

لكن الوصول إلى هذا المستوى من الإصلاح يتطلب قرارات جريئة وشجاعة سياسية، وقدرة على مواجهة مقاومة التغيير داخل الجهاز الحكومي نفسه فالإصلاح لا يُقاس بعدد التصريحات أو البيانات، بل بمدى الاستعداد لاتخاذ خطوات عملية قد تكون صعبة في المدى القصير، لكنها ضرورية لضمان استدامة الإدارة العامة وتحسين أدائها على المدى البعيد.

في المحصلة، أصبحت إعادة هيكلة الجهاز الحكومي خيارًا لا مفر منه، لا لأن الضغوط المالية تفرضه فقط، بل لأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُدار بعقلية الماضي.والاستمرار في تأجيل هذا الاستحقاق يعني ترحيل المشكلة وتعميق آثارها، بينما الشروع في إصلاح جاد ومدروس يمثل خطوة أساسية نحو جهاز حكومي أكثر كفاءة، ودولة أكثر قدرة على تلبية تطلعات مواطنيها بثقة وفاعلية.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا