طبول الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تُقرع… والعالم على حافة الهاوية

محي الدين غنيم  …..

في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر اللحظات توترا في التاريخ الحديث تتصاعد نذر المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى وسط تصعيد إعلامي غير مسبوق واتهامات متبادلة وخطابات سياسية تتجاوز حدود الردع إلى التلويح الصريح بالحرب وإسقاط الأنظمة.
لم يعد الحديث يدور حول “خلافات دبلوماسية” أو “رسائل ردع متبادلة” بل باتت لغة التهديد المباشر هي العنوان العريض. واشنطن وتل أبيب تتحدثان صراحة عن ضرورة “ضرب إيران” ومنعها من امتلاك أدوات القوة، بل ويصل الخطاب أحياناً إلى حد الحديث عن “إسقاط النظام الإيراني”، وكأن تغيير الأنظمة أصبح هدفا مشروعا في قاموس السياسة الدولية.
ورغم الحديث المتكرر عن مفاوضات ومسارات دبلوماسية، إلا أن انعدام الثقة بين الأطراف يجعل هذه المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة لا إلى حلها. إيران ترى أن الولايات المتحدة تفتقر إلى المصداقية، مستندة إلى تجارب سابقة وانسحابات أحادية من اتفاقات دولية، فيما تصر واشنطن على أن طهران تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي.
في هذا المناخ المشحون، يتحول الإعلام إلى ساحة معركة موازية؛ تصريحات نارية تسريبات أمنية تهويل لقدرات عسكرية واستعراض للقوة عبر المناورات والتحركات البحرية. كل طرف يحاول أن يفرض معادلة ردع، لكن الخط الرفيع بين الردع والانفجار بات أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
والأخطر في المشهد ليس فقط احتمال الضربة العسكرية، بل طبيعة الاصطفافات الدولية التي قد تحول أي مواجهة إلى حرب إقليمية واسعة، إن لم تكن شرارة صراع دولي أكبر.
فهناك قوى كبرى مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية تعلن  بدرجات متفاوتة .. دعمها لإيران في مواجهة الضغوط الغربية. هذا التداخل بين الحسابات الإقليمية والصراعات الدولية يجعل أي ضربة عسكرية محفوفة بمخاطر غير محسوبة.
إن إشعال الجبهة الإيرانية لن يبقى محصورا في حدودها الجغرافية؛ فامتدادات النفوذ والتحالفات والتوازنات العسكرية ستفتح ساحات متعددة من الخليج إلى شرق المتوسط وربما أبعد من ذلك.
إن أي حرب بين هذه الأطراف ستجعل الشرق الأوسط بأكمله في عين العاصفة. دول الخليج ستجد نفسها على خط النار، وأسواق الطاقة ستتعرض لاضطراب عنيف وحركة الملاحة البحرية ستكون مهددة خاصة إذا تم إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
إغلاق المضيق ولو جزئياً  سيعني قفزة هائلة في أسعار النفط وارتباكا في سلاسل الإمداد واهتزازا عميقا في الاقتصاد العالمي .. أوروبا ستعاني من أزمة طاقة جديدة وآسيا ستواجه اضطرابا في وارداتها والأسواق المالية العالمية ستدخل مرحلة من الهلع وعدم اليقين.
هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟
قد يبدو الحديث عن “حرب عالمية ثالثة” مبالغا فيه للبعض، لكن قراءة خريطة التحالفات والاستقطابات الحالية توحي بأن العالم يقف على فوهة بركان. أي خطأ في الحسابات أو ضربة غير محسوبة قد تدفع القوى الكبرى إلى الانخراط المباشر أو غير المباشر، ما يفتح الباب أمام مواجهة أوسع من مجرد صراع إقليمي.
إن الإصرار على الحل العسكري تحت شعار “منع الخطر” أو “إسقاط النظام”، لا يؤدي غالباً إلا إلى فوضى ممتدة وتجارب العقود الماضية شاهدة على أن الحروب لا تنتهي عند حدودها الأولى بل تتوالد منها أزمات جديدة وتتشكل خرائط جديدة على أنقاض الاستقرار.
إن المنطقة اليوم لا تحتمل حربا جديدة. شعوبها أنهكتها الصراعات واقتصاداتها تعاني من أزمات مزمنة وأمنها هش أمام أي زلزال عسكري. إن الاستمرار في قرع طبول الحرب لن يجلب نصرا حاسما لأي طرف، بل سيُدخل الجميع في نفق مظلم يصعب الخروج منه.
ما يحتاجه العالم ليس مزيدا من حاملات الطائرات، بل إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل لا على فرض الإملاءات. فالحروب تبدأ بقرار لكنها لا تنتهي بإرادة طرف واحد.
طبول الحرب تُقرع… لكن التاريخ يعلّمنا أن من يشعل النار قد لا يكون قادراً على إخمادها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا