فادي السمردلي يكتب: أحزاب برامجية أم خطابات موسمية؟ امتحان الضمان يكشف الحقيقة

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

 

عندما كانت الأحزاب تتحدث في مواسم الانتخابات عن “البرامج” و“الرؤى الاقتصادية” و“خطط الإنقاذ”، كان الخطاب كبيرًا بحجم الأزمة التي يعيشها الأردنيون فقيل لنا إن هناك بدائل، وإن زمن العمل الفردي قد انتهى، وإن الأحزاب البرنامجية قادمة لتقود مرحلة مختلفة، عنوانها التخطيط لا الارتجال، والمؤسسية لا الشعارات ولكن اليوم، ومع الجدل المتصاعد حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي، يبرز سؤال حقيقي ومباشر أين هذه الأحزاب من أخطر ملف يمسّ قوت الناس وشيخوختهم وأمانهم الاجتماعي؟

الضمان الاجتماعي ليس بندًا إداريًا في جدول أعمال الحكومة، ولا تفصيلًا تقنيًا يمكن تمريره بهدوء فهو عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن فهو حصيلة أعمار طويلة من العمل والاقتطاعات الشهرية التي دفعها العامل من تعبه، على أمل أن يجد في النهاية تقاعدًا كريمًا يحفظ ماء وجهه وعندما يُطرح مشروع قانون يمسّ شروط التقاعد أو سنوات الاشتراك أو آليات الاستفادة، فإن الأمر لا يتعلق بتعديل قانوني عابر، بل بإعادة تعريف لحقوق مكتسبة.

في مثل هذه اللحظة، كان يفترض أن تتحرك الأحزاب فورًا بأن تعلن موقفًا واضحًا، وأن تقدم قراءة اقتصادية بديلة، وتخاطب قواعدها، أن تنزل إلى الشارع السياسي لا إلى بيانات رمادية لا تقول شيئًا فكان يفترض أن نرى مؤتمرات صحفية، أوراق موقف، مقترحات تعديل مدروسة، وحراكًا برلمانيًا منظمًا ولكن المشهد، حتى الآن، يوحي بغير ذلك صمت ثقيل، أو مواقف خجولة، أو انتظار لما ستؤول إليه الأمور.

الأحزاب التي وصفت نفسها بأنها “برنامجية” لا يُقاس صدقها بعدد الندوات ولا بحجم الشعارات، بل بقدرتها على خوض معارك تشريعية تمسّ الناس مباشرة فالضمان الاجتماعي ليس قضية نخبوية فهو قضية كل موظف، كل عامل، كل أسرة تخشى المستقبل فإذا لم يكن هذا الملف أولوية قصوى، فماذا يكون إذًا؟

ثم إن الحديث المتكرر عن “إنقاذ الاقتصاد” لا يمكن فصله عن ملف التأمينات الاجتماعية فأي اقتصاد يُراد إنقاذه إذا كان العامل يشعر بأن حقوقه قابلة للتعديل كلما ضاقت الحسابات؟ فالثقة هي أساس أي نظام تأميني. وإذا اهتزت هذه الثقة، فإن الخسارة لا تكون مالية فقط، بل معنوية أيضًا وهنا يأتي دور الأحزاب بأن توازن بين ضرورات الاستدامة المالية وحقوق المشتركين، وأن تقدم حلولًا تحمي الصندوق دون أن تضع العبىء الأكبر على كتف المواطن.

الواقع أن لحظة الضمان كشفت فجوة بين الخطاب والممارسة فلا يكفي أن نقول إننا نملك خططًا لمحاربة الفقر والبطالة، بينما نقف على الهامش حين يُناقش قانون يؤثر مباشرة في دخل المتقاعدين ومستقبل العاملينة ولا يكفي أن نتحدث عن “تمكين الشباب” إذا كان الشاب نفسه غير واثق من شكل تقاعده بعد ثلاثين عامًا من العمل.

إن امتحان الضمان ليس امتحانًا للحكومة وحدها، بل للأحزاب أيضًا فهو اختبار لقدرتها على التحول من معارضة خطابية إلى فاعل سياسي حقيقي فمن يملك برنامجًا اقتصاديًا متكاملًا، عليه أن يبرهن ذلك في تفاصيل القوانين، لا في عناوين البيانات ومن يعد الناس بحماية الطبقة الوسطى، عليه أن يكون أول المدافعين عن حقوقها حين تُمسّ.

المطلوب ليس المزايدة ولا التحريض، بل الوضوح فموقف صريح يقول نحن مع الاستدامة، لكن ليس على حساب الحقوق المكتسبة، نحن مع الإصلاح، لكن بشفافية ودراسات معلنة وحوار وطني حقيقي؟ ونحن مع التحديث، لكن دون أن يتحول العامل إلى الحلقة الأضعف.

إذا أرادت الأحزاب أن تُقنع الأردنيين بأنها بديل جاد، فعليها أن تبدأ من هنا، من الضمان الاجتماعي. من الدفاع عن حق الناس في شيخوخة آمنة، من تقديم بدائل واقعية لا الاكتفاء بانتظار ما تقرره السلطة التنفيذية وإلا سيبقى السؤال معلقًا في أذهان المواطنين: هل نحن أمام أحزاب برنامجية فعلًا، أم أمام خطابات موسمية تنتهي بانتهاء الموسم؟

الضمان كشف الحقيقة والمرحلة المقبلة ستحدد إن كانت الأحزاب ستلتقط اللحظة، أم ستتركها تمرّ كما مرّت غيرها، تاركةً الشارع يواجه قلقه وحده.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا