فادي السمردلي يكتب:هل يُعد كشف الفساد مخالفة؟ الدستور الأردني يجيب

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في كل مرة تُطرح فيها قضية تتعلق بالإبلاغ عن شبهات فساد أو نشر معلومات تتصل بإدارة المال العام، يظهر الجدل ذاته من جديد، وكأننا لم نحسمه من قبل هل كشف الفساد يُعد مخالفة قانونية؟ أم أنه ممارسة مشروعة لحق دستوري أصيل، بل وواجب وطني لا يجوز التراجع عنه؟

الإجابة، عند العودة إلى النص الدستوري وروحه، لا تحتمل الكثير من التردد فالدستور الأردني وضع قاعدة واضحة لبناء الدولة ومؤسساتها الشعب مصدر السلطات، والحقوق والحريات العامة ليست منحة، بل أساس في العلاقة بين المواطن والدولة وفي مقدمة هذه الحقوق تأتي حرية الرأي والتعبير، التي لا يمكن فصلها عن حق المجتمع في المعرفة، ولا عن حقه في مراقبة المال العام.

حين نتحدث عن كشف الفساد، فنحن لا نتحدث عن فعل عبثي أو اتهام مجاني، بل عن ممارسة رقابية طبيعية في أي دولة حديثة فالدولة التي تريد أن تحمي نفسها من التآكل الداخلي لا تُضيّق على من يكشف الخلل، بل تُنظّم هذا الدور وتحتويه داخل إطار القانون، بحيث يصبح جزءًا من منظومة النزاهة لا خصمًا لها.

الدستور الأردني لم يتعامل مع حرية الرأي بوصفها مساحة شكلية، بل بوصفها ضمانة أساسية لعدم انحراف السلطة فحين تُغلق أبواب النقد، تُفتح تلقائيًا أبواب الخطأ دون رقابة وحين يُصبح الحديث عن الفساد مصدر خوف أو تهديد، تتحول البيئة العامة إلى مساحة صامتة، لا تُنتج إصلاحًا ولا تُصحح مسارًا.

من هنا، فإن القول بأن كشف الفساد يُعد مخالفة، يحتاج إلى مراجعة دقيقة فالمخالفة القانونية لا تُبنى على مضمون الفعل وحده، بل على سياقه وطريقته فهناك فرق واضح بين التشهير والإساءة ونشر الإشاعات من جهة، وبين الإبلاغ عن شبهات مدعومة بقرائن أو وثائق من جهة أخرى والخلط بين الحالتين لا يخدم العدالة، بل يضعفها.

القوانين الناظمة للنزاهة ومكافحة الفساد في الأردن جاءت لتؤكد هذا الاتجاه، حيث لم تُجرّم الإبلاغ عن الفساد، بل شجعته، واعتبرته أحد الأدوات الأساسية لحماية المال العام بل إن فلسفة هذه القوانين تقوم على مبدأ أن من يملك معلومة عن خلل يمس المال العام، يجب أن يكون جزءًا من الحل، لا أن يُعامل كخصم.

لكن الإشكالية الحقيقية ليست في النصوص، بل في التطبيق أحيانًا، وفي الثقافة العامة التي قد تميل إلى الحساسية المفرطة تجاه النقد فهذه الحساسية تُنتج بيئة رمادية، يصبح فيها الصحفي أو المواطن أو الموظف الذي يطرح سؤالًا مشروعًا، عرضة للاتهام قبل أن يُستمع إليه وهنا تحديدًا يبدأ الخلل عندما يُختزل النقد في خانة “التهديد” بدل أن يُفهم كأداة إصلاح.

الدولة القوية لا تخشى الصوت المختلف، بل تستفيد منه والشفافية ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل ممارسة تبدأ من الاعتراف بأن الخطأ ممكن، وأن الرقابة المجتمعية جزء من الحل وليس جزءًا من المشكلة وكلما اتسعت مساحة الثقة بين المواطن والمؤسسات، تقلصت الحاجة إلى التخمين، وارتفعت جودة المساءلة.

إن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية جماعية تبدأ من المواطن ولا تنتهي عند الأجهزة الرقابية. ومن هذا المنظور، يصبح الإبلاغ عن الفساد – متى تم ضمن إطار القانون وبحسن نية – امتدادًا طبيعيًا لروح الدستور، لا خروجًا عليه.

في المحصلة، لا يمكن لأي دولة أن تبني إصلاحًا حقيقيًا وهي تُقيّد أدوات كشف الخلل فالدستور الأردني، في جوهره، لم يُصمم ليحمي السلطة من النقد، بل ليوازن بين السلطة والمجتمع، ويضمن ألا تتحول السلطة إلى منطقة مغلقة وكشف الفساد، في هذا الإطار، ليس جريمة تُلاحق، بل ضرورة تُنظم، وحق يُحمى، ومسؤولية تُمارس بوعي لا بخوف.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا