النووي الإسرائيلي… الإرهاب الصامت الذي يحميه العالم

محي الدين غنيم …..

في واحدة من أكثر مفارقات العصر فجاجة، يقف العالم اليوم شاهداً على مسرحية سياسية كبرى عنوانها “منع إيران من امتلاك السلاح النووي”، بينما تُدفن الحقيقة الأخطر تحت صمتٍ دولي متواطئ: إسرائيل تمتلك ترسانة نووية كاملة قادرة على تدمير الشرق الأوسط مراتٍ عديدة، دون مساءلة، ودون عقوبات، ودون حتى نقاش جدي.
ليست القضية هنا إيران فقط، بل انهيار مفهوم العدالة الدولية نفسه.
الدول الكبرى التي تصرخ ليل نهار حول خطر تخصيب اليورانيوم الإيراني، تعرف جيداً أن إسرائيل تمتلك منذ عقود مئات الرؤوس النووية، وصواريخ قادرة على حملها، وغواصات تؤمن لها قدرة الضربة النووية الثانية. ومع ذلك، لم نسمع يوماً عن مجلس أمن طارئ لبحث النووي الإسرائيلي، ولم تُفرض عقوبة واحدة، ولم تُهدد تل أبيب بخيار عسكري.
لماذا؟
لأن المشكلة في هذا العالم ليست السلاح النووي… بل من يملكه.
إسرائيل ليست فقط دولة نووية خارج معاهدة حظر الانتشار، بل هي الدولة الوحيدة التي تمارس سياسة “الغموض النووي” تحت حماية أمريكية كاملة، في سابقة تاريخية حولت القانون الدولي إلى نص انتقائي يُطبق على الضعفاء ويُعطل أمام الحلفاء.
واشنطن التي تهدد بالحرب لمنع دولة من الوصول إلى عتبة نووية، هي نفسها التي وفرت الغطاء السياسي والعسكري والتكنولوجي لبقاء الترسانة النووية الإسرائيلية خارج أي رقابة. وهكذا يصبح الشرق الأوسط رهينة قوة نووية غير خاضعة لأي التزام قانوني أو أخلاقي.
الأخطر أن هذا الصمت الدولي لا يمنع الانتشار النووي، بل يدفع إليه.
فعندما ترى شعوب المنطقة أن دولة واحدة تحتكر السلاح النووي وتحظى بالحصانة المطلقة، بينما تُحاصر دول أخرى لمجرد امتلاكها برنامجاً نووياً سلمياً، فإن الرسالة تصبح واضحة: الأمن لا تحميه القوانين، بل تفرضه القوة.
إن ازدواجية المعايير هذه لم تعد مجرد خلل سياسي، بل تحولت إلى تهديد مباشر للاستقرار العالمي. فالعالم الذي يسمح بوجود ترسانة نووية غير خاضعة للرقابة في أكثر مناطق الأرض توتراً، ثم يتحدث عن منع الحروب، يمارس خداعاً سياسياً لا أكثر.
الحقيقة التي يحاول الغرب تجاهلها أن النووي الإسرائيلي هو أصل معضلة الردع في الشرق الأوسط، وهو العامل الذي فجّر سباقات التسلح وأدخل المنطقة في معادلة خوف دائم.
لا يمكن المطالبة شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي بينما تُستثنى إسرائيل مسبقاً من أي التزام. ولا يمكن الحديث عن القانون الدولي بينما يُستخدم كسلاح سياسي ضد دول بعينها.
إن أخطر سلاح نووي في العالم ليس ذلك الذي يُعلن عنه، بل ذلك الذي يحميه الصمت.
وفي زمنٍ تُقاس فيه العدالة بموازين القوة، يبقى السؤال الذي يطارد ضمير العالم — إن بقي له ضمير:
كيف يصبح السلاح النووي جريمة عندما تفكر به  إيران او اي دولة عربية … وحقاً مشروعاً عندما تمتلكه إسرائيل؟
الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا