التحرر من قيد الكمال: كيف تكسرين “فخ المثالية” في رمضان؟

منى النحلاوي  …..

تعيش الكثير من النساء تحت سطوة صورة ذهنية صلبة صاغتها التوقعات الاجتماعية وتغذت عليها المخاوف النفسية، وهي صورة “المرأة المثالية” التي لا تخطئ، ولا تتعب، ولا تطلب المساعدة. هذا “الفخ” يصبح أكثر إحكاماً في شهر رمضان، حيث تتحول المائدة والمنزل والعبادة والعمل إلى ساحات لإثبات الكفاءة المطلقة. إلا أن الحقيقة النفسية التي يجب أن نواجهها هي أن السعي خلف الكمال ليس طموحاً، بل هو عائق يمنعنا من الاستمتاع بالحياة؛ فالمثالية هي “درع” نرتديه خوفاً من النقد، لكنه درع ثقيل يستنزف الروح ويجعل اليوم ينقضي في سباق مع التفاصيل التي لا تنتهي.
إن العتبة الأولى للتخلص من هذا الفخ هي الإيمان العميق بأنكِ “لستِ مضطرة لفعل كل شيء بمفردكِ”. هذا المفهوم ليس دعوة للتقصير، بل هو دعوة للاتزان النفسي. فالبطولة الحقيقية لا تكمن في حمل الأثقال وحدكِ حتى الانكسار، بل في القدرة على بناء “منظومة دعم” حولكِ. عندما تطلب المرأة المساعدة من شريك حياتها، أو تفوض بعض المهام لأبنائها، أو حتى تتقبل أن تكون بعض الأمور “جيدة بما يكفي” بدلاً من “كاملة بشكل مبالغ فيه”، فهي بذلك تمنح نفسها فرصة للتنفس، وتمنح الآخرين فرصة للمشاركة والشعور بالمسؤولية.
من الناحية النفسية، التخلي عن المثالية يعني التصالح مع “الإنسانية”؛ فقبول فكرة أننا كبشر لدينا طاقة محدودة هو قمة الوعي. إن الصراع الداخلي الذي تخوضه المرأة العاملة أو ربة المنزل لمحاولة إبهار الجميع يسرق منها “الحضور الذهني” في لحظات العبادة والسكينة الرمضانية. فالبيت الذي يسوده الهدوء والرضا بوجبة بسيطة، أجمل بكثير من بيت تملؤه الموائد الفاخرة وتسيطر عليه روح متعبة، قلقة، ومنهكة من أجل الوصول لصور لا تعكس الواقع.
ختاماً، إن التحرر من فخ المثالية هو هدية تقدمينها لنفسكِ في هذا الشهر الفضيل. لستِ في اختبار يومي لتثبتي جدارتكِ لأحد؛ فقيمتكِ ثابتة ونابعة من كونكِ إنسانية معطاءة، لا من كونكِ آلة لا تتوقف. عندما تخلعين رداء الكمال الزائف، ستكتشفين أن الحياة أصبحت أكثر رحابة، وأن وقتكِ وجهدكِ اللذين كنتِ تهدرينهما في ملاحقة “السراب” قد توفرا لتستمتعي بلحظات حقيقية من القرب العائلي والصفاء الروحي. كوني بخير، كوني بسيطة، كوني أنتِ.. فهذا هو الكمال الحقيقي.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا