الرعاية الإلهية والثقة المطلقة بوعده: حين يتحول الخوف الشديد إلى سكينة (أم موسى نموذجاً)
طوفان الجنيد …..
{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
إنّ بعض ما استوعبناه من المحاضرة الثامنة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- ضمن “القصص القرآني” هي قصة موسى وأمه؛ فقد فصّل السيد العلم المشهد بطريقة مبسطة ومفهومة للعامة، وفسر الآيات التي رسمت المشهد بكلام بديع وكأننا أول مرة نسمعه، حيث قال:
في لحظات الضعف البشري، وحين تضيق الخيارات وتتلاطم أمواج القدر، تبرز “الثقة بالله” كقوة وحيدة قادرة على صياغة المعجزات من قلب المستحيل. وتعتبر قصة أم موسى -عليه السلام- التي خلّدها القرآن الكريم، النموذج الأسمى لكيفية تحول الخوف الفطري الشديد إلى أمن وطمأنينة، عبر بوابة الاستسلام الخالص والإيمان الكامل بالتدبير الإلهي.
1- الصراع بين غريزة الأمومة والوعد الإلهي
بدأت حكاية أم موسى في ظرف سياسي واجتماعي مرعب؛ حيث كان “الموت” هو القرار السيادي الصادر بحق كل مولود ذكر لبني إسرائيل. في هذه اللحظة، لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل كان حصاراً مطبقاً.
هنا، لم يتركها الله لتخبطها، بل جاء النداء الإلهي الذي يحمل في طياته أعظم مفارقة منطقية:
{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}
المفارقة: الأمر الإلهي هنا يطلب من الأم فعل ما تهرب منه! فكيف يكون إلقاء رضيع في نهر عاتٍ هو وسيلة النجاة من القتل؟ هنا تكمن جوهر الثقة؛ أن تُصدّق وعد الله وتُكذّب مخاوف الحواس.
2- تدبير الله: ما وراء النهر
لقد كان “اليم” في نظر الأم خطراً، لكنه في تدبير الله كان “مركباً” آمناً. لم تكن الرعاية الإلهية مجرد حماية للطفل من الغرق، بل كانت تسخيراً للكون بأكمله:
تسخير التيار: ليحمل التابوت إلى قصر العدو تحديداً.
تسخير القلوب: حين ألقى الله محبة موسى في قلب امرأة فرعون.
تحريم المراضع: ليعود الطفل إلى حضن أمه بمرسوم ملكي، لا كخائفة مطاردة، بل كمرضعة مكرّمة.
3- ربط الله على القلوب: السكينة بعد الزلزال
يصف القرآن حال قلبها بعد فراق وليدها بقوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا}. هذا الفراغ هو ذروة الألم البشري، لولا التدخل الإلهي: {لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا}.
هذا “الربط” هو السكينة التي تنزل على المؤمن حين يسلّم أمره لله؛ فتتحول صرخات الرعب الداخلية إلى يقين هادئ بأن من استودعته طفلك لا تضيع عنده الودائع.
الدروس المستفادة من النموذج الإلهي:
الثقة المطلقة: أن الله لا يمررنا في المحن ليهلكنا، بل ليصنعنا على عينه.
الأخذ بالأسباب مع ترك النتائج: فعلت أم موسى ما بوسعها (صنعت التابوت)، ثم تركت الباقي لرب الأسباب.
عاقبة الصبر: النتيجة لم تكن مجرد نجاة موسى، بل عودته إليها لتقر عينها ولا تحزن، وليتحقق وعد الله الذي هو “حق” وإن غفل عنه أكثر الناس.
الخلاصة:
إن قصة أم موسى تخبرنا أن “الخوف” هو طبيعة بشرية، لكن “السكينة” هي عطاء إلهي يُمنح لمن يملك إيماناً كاملاً وثقة مطلقة بوعد الله، حتى لو كانت كل الظواهر تشير إلى الهلاك والخسارة.
الكاتب من اليمن