فادي السمردلي يكتب: الحكومة ترحّل أزمة الضمان الاجتماعي ولا تحلّها

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

ما قامت به الحكومة في ملف الضمان الاجتماعي لا يمكن وصفه بأنه حلّ جذري بقدر ما هو إعادة توزيع للأزمة على الزمن فالتعديلات التي أُعلنت، بكل ما رافقها من تطمينات وتأجيلات وتدرّج طويل يمتد إلى ما بعد عام 2040، لا تُنهي الجدل، بل تؤجله. الفارق جوهري بين أن تعالج أصل المشكلة وأن تُبعد آثارها السياسية عن اللحظة الراهنة. ما حدث هو الخيار الثاني.

حين تقول الحكومة إن أي مستحق للتقاعد لن يُمس خلال السنوات الأربع المقبلة، فهي عمليًا تطفئ نار القلق الفوري وحين تؤكد أن التطبيق سيبدأ عام 2030 وبشكل تدريجي حتى 2040 و2047 في بعض الحالات، فهي تنقل العبىء إلى مستقبل بعيد، خارج الأفق السياسي الحالي.فهذه ليست تسوية نهائية، بل هدنة زمنية فالأزمة لم تختفِ، إنما وُضعت في درج مؤجل.

الضمان الاجتماعي ليس قانونًا تقنيًا يمكن تعديله بلا ارتدادات فهو عقد ثقة طويل الأمد بين الدولة والمواطن فالعامل الذي يقتطع من راتبه شهريًا لا يفعل ذلك من باب الادخار الطوعي، بل لأنه يثق بأن قواعد اللعبة مستقرة وواضحة وعندما تُطرح تعديلات تمس شروط التقاعد أو توقيته أو آلياته، فإن السؤال لا يكون فقط عن الأرقام، بل عن الثبات والاستقرار فالتأجيل قد يخفف الصدمة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي هل النظام مستدام فعلًا؟ وإذا كان هناك خلل، لماذا لا يُعرض بوضوح كامل مع بدائل حقيقية؟

المفارقة أن الحكومة تقول إن الإصلاح ضروري لحماية المستقبل، لكنها في الوقت ذاته تؤجل تطبيقه أكثر من عقد فإذا كانت الحاجة ملحة، فلماذا يمكن الانتظار كل هذه السنوات؟ وإذا لم تكن ملحة، فلماذا طُرح المشروع بهذه العجلة أصلًا؟ هذا التناقض هو ما يعزز الانطباع بأن ما جرى إدارة سياسية للضغط، لا معالجة اقتصادية شاملة.

لا أحد يعترض على مبدأ الإصلاح إذا كان مبنيًا على دراسات شفافة، وأرقام منشورة، وحوار وطني عميق فأنظمة التقاعد في العالم كلها خضعت لتعديلات بسبب تغيرات ديموغرافية واقتصادية ولكن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على ترحيل الكلفة إلى أجيال لاحقة دون نقاش صريح فالإصلاح الحقيقي يعني مواجهة الواقع كما هو، لا تأجيله حتى تهدأ العاصفة.

الخطورة في ترحيل الأزمة أنها تُضعف الثقة قالمواطن قد يطمئن اليوم لأنه غير متأثر مباشرة، لكنه يدرك أن النظام سيتغير غدًا فالشعور بأن القواعد قابلة لإعادة الصياغة كلما ضاقت الحسابات يخلق قلقًا طويل الأمد فالثقة لا تُبنى على تطمينات مؤقتة، بل على وضوح واستقرار وتشريعات يصعب المساس بها إلا ضمن إطار وطني واسع.

ثم إن تأجيل التنفيذ لا يعالج الأسئلة البنيوية هل تكفي الاشتراكات الحالية لضمان الاستدامة؟ ما أثر البطالة المرتفعة على مداخيل الصندوق؟ ماذا عن الاستثمارات والعوائد؟ هل هناك بدائل لتعزيز الإيرادات بدل تحميل المشتركين أعباء إضافية مستقبلًا؟ هذه القضايا لم تُحسم بالتدرج الزمني، بل بقيت معلّقة.

سياسيًا، يمكن القول إن الحكومة نجحت في تبريد اللحظة فخففت الاحتقان، وأعادت النقاش إلى البرلمان، وأكدت انفتاحها على المقترحات ولكن النجاح في إدارة اللحظة لا يعني النجاح في حل المشكلة فما تم شراؤه هو الوقت، لا اليقين والوقت قد يكون مكلفًا إذا لم يُستثمر في إصلاح فعلي وواضح.

الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تتراكم وكلما طال أمدها، أصبحت كلفتها أعلى وأكثر تعقيدًا فالضمان الاجتماعي ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي فأي خلل في الثقة به ينعكس على شعور الناس بالأمان في شيخوختهم ومستقبل أسرهم لذلك، فإن ترحيل الأزمة لا يكفي فالمطلوب رؤية شاملة تعالج الاستدامة المالية وتحمي الحقوق المكتسبة في آن واحد، لا أن تؤجل المواجهة إلى حكومة قادمة أو جيل قادم.

الحكومة اليوم تقول إنها تحمي الحقوق. لكن حماية الحقوق لا تكون فقط بتأجيل المساس بها، بل بضمان ألا تصبح عرضة لإعادة النظر كل بضع سنوات فإن كان هناك إصلاح ضروري، فليكن واضحًا وصريحًا ومبنيًا على توافق واسع أما إبقاء التعديل معلقًا في المستقبل البعيد، فليس حلًا بقدر ما هو انتقال هادئ من أزمة حاضرة إلى أزمة مؤجلة.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا هل سنصل إلى عام 2030 ونحن أكثر جاهزية واستقرارًا، أم سنجد أنفسنا أمام الملف ذاته لكن بظروف أصعب؟ الإجابة لا تتوقف على التدرج الزمني، بل على صدق المعالجة من اليوم. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الانطباع السائد أن الحكومة رحّلت أزمة الضمان الاجتماعي… ولم تحلّها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا