في حفل تأبين المهندس المناضل بطرس حجّارة
سامر أبو شندي ….
في حفل تأبين المهندس المناضل بطرس حجارة اختلط الذاتي بالموضوعي، ففي مبنى مجمع النقابات المهنية الذي احتضن بداياتي في مهنة المحاماة، كان ذلك الحفل الدافيء بصدق مشاعر المستقبلين من اهل الفقيد و كذلك الحضور المهتم، حيث تلقى كل من حضر نسخة كتاب عن الفقيد من اعداد و كتابة ابنته ربى حجارة، بعنوان “اليافاوي بطرس حجارة بين الترحال و النضال” و هو كتاب قييم لما يحتويه من صور تاريخية في فلسطين قبل النكبة للفقيد و عائلته و كذلك وثائق فلسطينية مصورة بطريقة احترافية عالية الجودة، و في أجواء تلك الحفاوة امتدت الفعالية لاكثر من ساعتين من مساء أمس، تخللها فيديو عن مسيرة الفقيد الكبير الذي ولد في يافا عام 1928 و خاض مع مجتمعها المقاومة ضد العصابات الصهيونية، و امتد نضاله الى الساحة السورية حيث عمل مترجما في السفارة الرومانية في دمشق و وكذلك الساحة الاردنية، و هو الوحدوي الذي لم يعترف بحدود الاستعمار الذي عاش مكافحا لاحتلالاته و تقوده وحدويته و ثوريته مع رفاقه الى اللقاء مع الزعيم الخالد جمال عبد الناصر و مشاركة اهالي بورسعيد بطولاتهم و مقاومتهم للانجليز، يدرس الهندسة في العاصمة الرومانية صوفيا بمنحة مقدمة من الاتحاد السوفياتي، و يعود الى العاصمة الاردنية عمان ليعمل في مجال الاتصالات.
“ابو عمر ” كان اسمه الحركي الذي رافقه حتى بعد زواجه، و قد رزقه الله ثلاث بنات و هن: مي و سهاد ربى، في الذاتي كان لي شرف مزاملتهن في مدرسة الرائد العربي و كن من البارزات في مختلف الانشطة من الموسيقى الى الرياضة الى القراءة، و المراقب لأي منهن يدرك انها تنتمي لأسرة واسعة الثقافة تجمع و لا تفرق تصون و لا تبدد، و في هذا الحفل عادت لي ذكريات من ثلاثة عقود خلت، و بخاصة عندما غنت ابنته مي حجارة مقطوعة موسيقية على العود مهداة لروح والدها فقيد الحفل، فتذكرت المسرح المدرسي و مشاركاتها الموسيقية و الاذاعة المدرسية.
اما ربى فتحدثت عن والدها و رفاقه الذين عايشوا النكبة الفلسطينية، بقولها” انهم كآخر حبات اللؤلؤ من عقد قد انفرط” فكان لهذا التعبير أثره الذي يبقى في الوجدان.
اما ابنة الفقيد سهاد فقد أنشدت قصيدة للشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة بعنوان النهر المتجمد، لأن الفقيد كان يحب شعر هذا الشاعر الذي نظم الشعر بالعربية و بالروسية، و اصبح شعره الروسي يدرس في الاكاديميات الروسية، الى جانب روسيا ينتقل ميخائيل نعيمة للعيش في امريكا و ينفعل بمجتمعها و يؤلف اكثر من سردية لا يتسع المجال للتعريف بها، ثم يعود ليستقر في بلدته و مسقط رأسه “بسكنتا” التي تغفو على كتف جبل صنين العتيد، و بالعودة الى فقيدنا بطرس الذي حرمه الاحتلال من العودة لمسقط الرأس و مرابع الصبا، فتفيد زوجته “ام عمر ” انه في اواخر ايامه و قبل ان يغمض اغماضته الاخيرة في العام 2025 كان الفقيد يقول: ودوني على يافا.
يافا التي سكنها و كانت تسكنه، الى روح المهندس بطرس حجارة أقول: إن بعدت عنا مكانا، ستظل فينا مكانة، و عزاؤنا أنك تركت فينا و معنا ربى و مي سهاد ، يسيرون على دربك و يحملون رايتك، و يتمثلون قيمك و ثقافتك.
سامر ابو شندي
كاتب من الاردن
