الخليج وإيران… إما رأبُ الصدع أو نارٌ لا تُبقي ولا تذر

محي الدين غنيم  …..

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة الخطورة، ومع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة والتحالف الصهيو-أمريكي من جهةٍ أخرى، تبدو منطقتنا وكأنها تُدفع دفعًا نحو صدامٍ واسع قد يتجاوز حدود الحسابات التقليدية. المؤشرات السياسية والعسكرية المتلاحقة تفرض سؤالًا مصيريًا: هل تتحول دول مجلس التعاون الخليجي إلى ساحة اشتباك مباشر في حربٍ لا تخدم أمنها ولا استقرار شعوبها؟
لقد بات واضحًا أن استمرار الحرب يهدد بتوسيع رقعة النار، خاصة في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية في أكثر من دولة خليجية. هذا الواقع يضع تلك الدول في موقعٍ حساس، ويجعلها عرضةً لتداعيات أي تصعيد إقليمي، سواء كان مباشرً أو غير مباشر. وفي أجواء كهذه، تصبح أي شرارة قابلة للتحول إلى حريقٍ شامل، خصوصًا إذا ما انزلقت الأطراف نحو حساباتٍ خاطئة أو رهاناتٍ غير محسوبة.
إن الحديث المتداول عن احتمالات توسع الحرب أو حتى استخدام أسلحةٍ ذات قدرات تدميرية عالية، يعكس حجم المخاوف من أن المنطقة قد تدخل مرحلةً غير مسبوقة من التصعيد. ومهما تكن السيناريوهات، فإن الخاسر الأكبر سيكون شعوب المنطقة واقتصاداتها وأمنها الاجتماعي، لا سيما دول الخليج التي حققت استقرارًا وتنميةً على مدى عقود ولا مصلحة لها في أن تتحول إلى خطوط تماس.
إن تعميق الخلاف بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي لا يخدم إلا دعاة الفوضى. فالجغرافيا قدر والمصالح المشتركة تفرض نفسها وأي قطيعةٍ شاملة ستفتح الباب أمام سنواتٍ من الاستنزاف السياسي والاقتصادي والأمني. المنطقة لا تحتمل حربًا طويلة المدى ولا سباق تسلح ولا مزيدًا من الاستقطاب الطائفي الذي يُراد له أن يمزق النسيج الإقليمي.
من هنا، فإن العقلانية السياسية تقتضي ما يلي:
تحييد دول الخليج عن أي مواجهة مباشرة، وترسيخ مبدأ عدم استخدام أراضيها كساحات صراع.
وفتح قنوات تواصل مباشرة وصريحة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
وإطلاق مبادرة إقليمية للأمن الجماعي تقوم على مبدأ “أمن الخليج مسؤولية أبنائه”.
وتغليب لغة المصالح المشتركة على لغة المحاور والاستقطاب.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الحروب في منطقتنا تبدأ بشعارات كبيرة، لكنها تنتهي بخرابٍ واسع وتصدعاتٍ عميقة تحتاج سنواتٍ لترميمها. أما الحوار، مهما كان صعبًا فهو أقل كلفةً من مواجهةٍ مفتوحة قد تخرج عن السيطرة.
إن اللحظة الراهنة تتطلب شجاعةً سياسية لا تقل أهمية عن الشجاعة العسكرية شجاعة الاعتراف بأن الانزلاق إلى حربٍ إقليمية شاملة لن يكون نصرًا لأحد، بل هزيمةً جماعية. والبديل واضح: إما أن تُبنى جسور الثقة بين طهران والعواصم الخليجية، أو يُترك المجال لرياحٍ عاتية قد تعصف بالجميع.
الخليج وإيران أمام مفترق طرق تاريخي… فإما أن ينتصر صوت الحكمة أو تتكلم المدافع بلغةٍ لا تعرف سوى الدمار.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا