هولاكو العولمة… بين بريق التواصل وسياط الارتباط
بقلم: د. منى النحلاوي …..
هل تخيّل الإنسان يومًا أن جهازًا صغيرًا يحمله في جيبه سيصبح نافذته إلى العالم كله، وفي الوقت نفسه قيده الخفي؟
تعود بنا الذاكرة إلى بدايات القرن العشرين، حين كان الهاتف ذو القرص الدوّار رمزًا للحداثة ومظهرًا من مظاهر المكانة الاجتماعية. فمنذ أن اخترع ألكسندر غراهام بيل الهاتف عام 1876، بدأ هذا الاختراع يشق طريقه تدريجيًا إلى البيوت والمؤسسات. آنذاك كانت المكالمات قليلة ومختصرة، تُقال فيها الكلمات بقدر الحاجة، وكان التواصل بسيطًا وهادئًا لم تفسده ضوضاء التكنولوجيا بعد.
لكن الزمن تغيّر سريعًا. فقد انتقل الإنسان من سلكٍ بسيط يربط جهاز الهاتف بالجدار إلى فضاء رقمي واسع لا تحدّه حدود. دخلنا عصر العولمة؛ عصرًا يمكن وصفه بـ “هولاكو العولمة” لما يحمله من اجتياحٍ هادئ للعقول والبيوت دون استئذان.
لم يعد الهاتف مجرد وسيلة لنقل الصوت، بل أصبح نافذة مفتوحة على العالم كله؛ أخبارًا وصورًا وأفكارًا تتدفق في كل لحظة. فأصبح البعيد قريبًا، وتحولت الكرة الأرضية إلى ما يشبه قرية صغيرة يتشارك سكانها فضاءً رقميًا واحدًا.
غير أن لهذا البريق وجهًا آخر. فمع هذا الاتساع الهائل في وسائل التواصل، وجد الإنسان نفسه تحت ما يمكن تسميته “سياط الارتباط”؛ ذلك الارتباط الدائم بالشاشات والمنصات الرقمية، حيث لا يكاد الفرد ينفصل عن هاتفه أو يبتعد عن سيل الأخبار والتنبيهات المتلاحقة.
وفي هذا الفضاء المفتوح، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للتواصل، بل أصبحت أحيانًا وسيلة للتأثير في العقول وتوجيه المشاعر، ونشر الأخبار المضللة التي قد تزرع التوتر بين المجتمعات.
إن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها. فهي قادرة على أن تكون جسورًا للمعرفة والتقارب بين البشر، كما يمكن أن تتحول إلى أدوات لإشعال الفتن إذا غاب الوعي عنها.
وفي النهاية، يبقى الخيار بيد الإنسان:
فإما أن ينساق خلف سياط العولمة الرقمية، أو أن يتعامل مع هذه التقنية بوعيٍ وحكمة، ليبقى سيدًا للتقنية لا أسيرًا لها.
كاتبة وباحثة في القضايا الاجتماعية ✅
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية