حين تلتقي الصدمة بالسلام: قراءة في فكر نعومي كلاين وقرار 1325

بقلم: د. منى النحلاوي  …..

 

في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتشابك فيه المصالح مع مصائر الشعوب، لم تعد الحروب وحدها هي الخطر، بل الطريقة التي تُدار بها تلك الحروب وما يليها من تحولات. وهنا، تبرز أفكار نعومي كلاين كمرآة كاشفة، تقرأ ما وراء الحدث، وتفكك ما يُبنى في لحظات الانهيار.

ترى كلاين، من خلال مفهوم “عقيدة الصدمة”، أن الأزمات ليست مجرد أحداث عابرة، بل تُستغل كفرص لإعادة تشكيل المجتمعات وفق مصالح قوى بعينها، حيث تُمرَّر القرارات الكبرى في ظل غياب الوعي الجمعي، وانشغال الشعوب بتداعيات الصدمة. وفي خضم هذه الفوضى، غالبًا ما تكون الفئات الأكثر هشاشة — وفي مقدمتها النساء — هي الأكثر تضررًا، والأقل حضورًا في دوائر القرار.

ومن هنا، تتقاطع هذه الرؤية النقدية مع ما جاء به قرار 1325 المرأة والأمن والسلام الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي شكّل تحولًا نوعيًا في فهم العلاقة بين المرأة والنزاع والسلام. إذ لم يكتفِ القرار باعتبار المرأة ضحية، بل أكد على دورها كشريك أساسي في صناعة السلام، وفاعل لا يمكن تجاوزه في بناء الاستقرار.

إن ما تحذر منه كلاين — من تغييب المجتمعات أثناء لحظات التحول — هو ذاته ما يسعى القرار 1325 إلى معالجته، من خلال الدعوة الصريحة لإشراك النساء في عمليات صنع القرار، ومنع إقصائهن في أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الدول. فغياب المرأة لا يعني فقط غياب صوت، بل غياب رؤية أكثر توازنًا وعدالة.

وفي هذا السياق، يصبح السلام مفهومًا أعمق من مجرد وقف لإطلاق النار؛ إنه عملية مستمرة تُبنى على العدالة الاجتماعية، والمشاركة الحقيقية، والاعتراف بتجارب الفئات المهمشة. وهو ما يتناغم مع طرح كلاين الذي يربط بين الأزمات الاقتصادية والسياسية والبيئية، مؤكدًا أن أي سلام لا يعالج جذور الظلم، سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار.

إن الربط بين فكر نعومي كلاين وقرار 1325 يكشف عن حقيقة جوهرية:
أن إدارة الأزمات لا يجب أن تظل حكرًا على مراكز القوة، بل ينبغي أن تتحول إلى عملية تشاركية، يكون للمرأة فيها دور فاعل، ليس فقط لحمايتها، بل لإعادة صياغة مستقبل أكثر إنصافًا.

وفي النهاية، قد تكون الأزمات حتمية، لكن الطريقة التي نواجهها بها هي الخيار الحقيقي. فإما أن نعيد إنتاج الصدمة، أو نحولها إلى فرصة لبناء سلام أكثر إنسانية… سلام تصنعه النساء بقدر ما يحميهن.

باحثة فى القضايا الاجتماعية

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا