فادي السمردلي يكتب: الأردن بين نيران الإقليم وطمأنينة الداخل
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد الحديث عن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تعبر أجواء المنطقة أمرًا نظريًا أو بعيدًا عن حياة الناس في الأردن فخلال الأيام الأخيرة، وجد المواطن نفسه فجأة أمام واقع جديد أصوات انفجارات في السماء، رسائل تحذيرية متداولة، وقلق يتسلل إلى البيوت دون استئذان صحيح أن المؤسسات العسكرية والأمنية أثبتت كفاءة عالية في التعامل مع التهديدات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط عن قدرة الدولة على الردع، بل عن قدرة المجتمع على الاستعداد.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لم يختر أن يكون في قلب التوترات الإقليمية، لكنه وجد نفسه محاطًا بصراعات متشابكة من كل اتجاه ومع اتساع رقعة المواجهات في المنطقة، أصبح المجال الجوي للمملكة جزءًا من مسار الصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء كانت موجهة أو عابرة وهذا الواقع يضع الدولة أمام معادلة دقيقة الحفاظ على الأمن الوطني دون إثارة الهلع، وتوفير الطمأنينة دون إخفاء حقيقة المخاطر.
المشكلة ليست في وجود خطر، فكل دولة في منطقة مضطربة تواجه تهديدات بدرجات متفاوتة، بل في كيفية إدارة هذا الخطر على مستوى المجتمع فالمواطن الأردني اليوم يسمع عن اعتراض صواريخ أو سقوط شظايا، لكنه في المقابل لا يعرف بدقة ماذا يفعل إذا تكرر المشهد. هل هناك خطة واضحة للتعامل مع الطوارئ على مستوى الأحياء؟ هل المدارس والمؤسسات العامة تمتلك إجراءات جاهزة؟ وهل تلقى المواطن تدريبًا أو توعية حقيقية حول كيفية التصرف في لحظات الخطر؟
في كثير من الدول التي عاشت ظروفًا مشابهة، لم تكن الجيوش وحدها خط الدفاع الأول، بل كان المجتمع نفسه جزءًا من منظومة الحماية فالثقافة المدنية للطوارئ أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأمن الوطني، تمامًا مثل السلاح والرادار أما في الأردن، فما زالت هذه الثقافة في بداياتها، وغالبًا ما تُترك للتصرف الفردي أو الاجتهاد الشخصي.
اللافت أن الخوف الذي يعيشه الناس ليس دائمًا نتيجة الحدث نفسه، بل نتيجة الغموض الذي يحيط به. عندما تنتشر الأخبار غير المؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتحول القلق إلى شائعات، وتتحول الشائعات إلى حالة من الارتباك العام وهنا تظهر أهمية التواصل الرسمي الواضح والسريع، ليس فقط لطمأنة الناس، بل لتوجيههم عمليًا فالمواطن لا يحتاج إلى تطمينات عامة بقدر ما يحتاج إلى تعليمات محددة أين يذهب؟ ماذا يفعل؟ وكيف يحمي أسرته؟
من جهة أخرى، لا يمكن فصل البعد الأمني عن البعد الاقتصادي والاجتماعي فحالة التوتر المستمر تؤثر على سلوك الناس، وعلى حركة الأسواق، وعلى قرارات الاستثمار. عندما يشعر المواطن بعدم الاستقرار، حتى لو كان أمنيًا تحت السيطرة، فإنه يميل إلى الحذر، وربما إلى تقليل الإنفاق أو تأجيل الخطط المستقبلية وهذا بدوره ينعكس على الاقتصاد الوطني بشكل غير مباشر.
لكن وسط كل هذه التحديات، يمتلك الأردن نقاط قوة حقيقية فهناك مؤسسات أمنية محترفة، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات، ومجتمع يتمتع بدرجة عالية من التماسك وهذه العوامل تشكل أساسًا قويًا يمكن البناء عليه، لكن البناء لا يكتمل دون إشراك المواطن نفسه في منظومة الأمن.
المطلوب اليوم ليس إثارة الخوف، بل تعزيز الجاهزية وليس المطلوب تحويل المجتمع إلى حالة طوارئ دائمة، بل ترسيخ وعي بسيط وعملي: معرفة إجراءات السلامة، تحديد أماكن آمنة في المنازل والمؤسسات، والتدرب على الاستجابة السريعة عند الحاجة فهذه خطوات صغيرة، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا عندما تقع الأحداث.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه بصراحة هل نريد أن يبقى المواطن متلقيًا للأحداث، أم شريكًا في مواجهتها؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل المرحلة المقبلة في الأردن، ليس فقط من حيث الأمن، بل من حيث الثقة بين الدولة والمجتمع.
الأردن اليوم يقف على خط تماس غير مرئي، بين نيران الإقليم وطمأنينة الداخل والحفاظ على هذه الطمأنينة لن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بوعي المواطن واستعداده، وبقدرة الدولة على تحويل الأمن من مهمة مؤسساتية إلى ثقافة مجتمعية.
الكاتب من الأردن