الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين: واضعُ لَبنة الدولة وشهيدُ الأقصى
بقلم: محمد الميناوي …..
حين نستذكر البدايات، ونعود بالذاكرة إلى فجر تأسيس الدولة الأردنية، يطل علينا وجه الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، ذلك القائد الذي جمع بين حكمة السياسة وعراقة النسب وشجاعة الفرسان. وُلد في مكة المكرمة عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين، وترعرع في كنف والده شريف مكة الحسين بن علي، حيث رضع قيم الحرية والعروبة. كان عبد الله الأول هو العقل المدبّر والمخطط في “الثورة العربية الكبرى”، الرجل الذي لم يرَ في الإمارة منصباً، بل رآها رسالةً مقدسة لجمع شمل العرب وبناء كيانٍ شامخ يحفظ كرامتهم وسط أعاصير السياسة الدولية آنذاك.
وصل الملك المؤسس إلى معان في عام ألف وتسعمائة وعشرين، ومنها انطلق إلى عمان ليؤسس إمارة شرق الأردن في عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين. وبحنكةٍ دبلوماسيةٍ قلّ نظيرها، استطاع أن ينتزع اعترافاً دولياً باستقلال الأردن، محولاً إياها من إمارة ناشئة إلى مملكةٍ مستقلة ذات سيادة في الخامس والعشرين من أيار لعام ألف وتسعمائة وستة وأربعين. لم تكن رحلته مفروشةً بالورود، بل كانت صراعاً مع الزمن والظروف الصعبة، لكنه آمن بأن “الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب”، فبنى المؤسسات الأولى، ووضع الدستور، وأرسى قواعد الجيش العربي المصطفوي.
سيدُ الدبلوماسية وحارسُ القدس 🛡️ 🇵🇸
كان الملك عبد الله الأول يمتلك رؤيةً ثاقبة لمخاطر الصهيونية قبل غيره من الزعماء؛ فكان يرى في فلسطين توأماً للأردن لا ينفصل. وتحت قيادته، خاض الجيش العربي الأردني معارك الشرف والبطولة في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، واستطاع الحفاظ على القدس القديمة والضفة الغربية، مانعاً سقوطها في يد الاحتلال. لقد كانت سياسته “سياسة الواقعية والممكن”، حيث سعى دائماً لحقن دماء العرب مع الحفاظ على الثوابت الوطنية، مؤمناً بأن الأردن هو الرئة التي تتنفس منها القضية الفلسطينية.
ولم يكن المؤسس قائداً سياسياً فحسب، بل كان أديباً وشاعراً وفقيراً باللغة العربية؛ فكان مجلسه يعج بالعلماء والشعراء، وترك لنا مؤلفاتٍ قيمة مثل “الآمالي السياسية” و”مذكراته” التي تُعد مرجعاً تاريخياً هاماً. كان يتميز بالقدرة على محاورة الخصوم وإقناعهم، مستخدماً لغة المنطق والحجة، مما جعله يحظى باحترام الملوك والرؤساء في شتى أنحاء العالم.
الترجلُ الأخير على أعتاب الأقصى 🕌
في يوم الجمعة الحزين، العشرين من تموز لعام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، كان الملك عبد الله الأول على موعدٍ مع ربه في أحب البقاع إلى قلبه؛ المسجد الأقصى المبارك. وبينما كان يهم بدخول المسجد لأداء صلاة الجمعة، طالته يد الغدر الآثمة ليرتقي شهيداً مخضباً بدمائه الطاهرة على أعتاب القدس التي أحبها ودافع عنها طوال حياته. ارتقى المؤسس شهيداً، ليكون أول ملكٍ هاشمي يمتزج دمه بتراب فلسطين، مؤكداً بدمه ما قاله بلسانه دوماً عن قدسية هذه الأرض.
لقد رحل عبد الله الأول، لكنه ترك خلفه مملكةً صلبة، وشعباً وفياً، ونهجاً هاشمياً في الاعتدال والبناء سار عليه من بعده الملوك العظام. إن تاريخ الأردن الحديث هو في جوهره قصة كفاح بدأها هذا الرجل الكبير، الذي آمن بأن الأوطان تُبنى بالصبر والحكمة والعزيمة. فسلامٌ على روحك الطاهرة يا سيدي في الخالدين، وستبقى ذكراك منارةً تضيء لنا دروب الانتماء والوفاء لهذا الوطن الغالي.
محمد الميناوي
المرة القادمة إن شاء الله سأبدأ بالقامات الوطنية بتنصيف ( الأشهر من الناحية العسكرية )
