فهمي جدعان نحو مشروع فلسفي عربي
سامر أبو شندي ….
في الذاتي، كنتُ أثناء دراستي الجامعية في الجامعة الأردنية في نهايات القرن الماضي، أتردد على كلية الآداب بحكم حبي للأدب، حيث كانت صلتي بكلية الآداب دائمة الاتصال رغم دراستي في كلية الحقوق. فمن ضمن النشاطات كان حضوري لرسائل ومناقشات الماجستير، وبخاصة عندما يكون المشرف هو الدكتور سمير قطامي، صاحب برنامج “أقلام واعدة” على أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، الذي تبلور وعيي الثقافي عليه مطلع التسعينيات وأنا على مقاعد الدراسة الثانوية. ومن الشخصيات المحفورة في الذاكرة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الدوري، الرئيس السابق لجامعة بغداد في الخمسينيات، والمحاضر في قسم التاريخ بكلية الآداب في الجامعة الأردنية، والذي لطالما جالسته وانتفعت بعلمه، وبخاصة عندما أهداني مؤلفه “الجذور التاريخية للقومية العربية”. كنتُ أيضًا أدرس مادة اختيارية على يد الأستاذ الدكتور أحمد ماضي، وكل علم من الأعلام السابقة التي ذكرتُ جدير بكتابة عدة مقالات حوله. فكان أن عرّج الدكتور أحمد ماضي في حديثه عن المتفلسفين أو من يمتهنون الفلسفة على الدكتور فهمي جدعان، فذكر أن الدكتور جدعان هو صاحب مشروع فلسفي، وأنه من خريجي السوربون عام 1968، وهو ذو مشرب أكاديمي مختلف عن أحمد ماضي خريج كلية الفلسفة في جامعة موسكو.
مكث فهمي جدعان في باريس من عام 1962 إلى عام 1968، وهو العام الذي حصل فيه على دكتوراه الدولة في الفلسفة، وكانت رسالته الأولى لنيل الدكتوراه حول “خلق القرآن الكريم في التراث الإسلامي”، ولكن من الناحية الفلسفية والكلامية لا من الناحية السياسية والتاريخية المثيرة للجدل. أما الرسالة الثانية، فكانت عن التأثير الرواقي في التراث الإسلامي. ولطالما كان يدعو إلى النأي بالفكر الإسلامي عن التوظيف السياسي، لأن للإسلام وظيفته الحضارية والإنسانية والأخلاقية. مارس التدريس في الجامعة الأردنية من عام 1968 إلى عام 1988، وهو العام الذي غادر فيه لنقل تجربته إلى دولة الكويت باحثًا ومدرسًا. وعودة إلى المشروع الفلسفي الذي يحمله فهمي جدعان في سيرته ومسيرته، فيقول في أحد اللقاءات إن منطقتنا العربية مخترقة ثقافيًا من قِبل الثقافة الغربية، لاسيما أنه يرى الفترة العثمانية التي امتدت لأربعة قرون مليئة بالعسكرة والتجارة، وخالية ومفتقرة للفكر والفلسفة، وأن التراث العربي لطالما خضع للتحليل والتأويل من قبل مناهج فلسفية غربية تصعد وتتوهج في فترة معينة ثم تخبو لاحقًا، منها الماركسية والمادية التاريخية على سبيل المثال، ولاحقًا يثبت عدم ملاءمتها للتعاطي مع التراث العربي والإسلامي. أما جملة القول في مشروعه الفلسفي فهو أنه لا بد من التضافر بين ما هو تراثي إسلامي وما هو غربي حداثي، ويلخص جدعان ما تدعو له الفلسفة الإسلامية بالعدالة، وما تدعو له الفلسفة الغربية بالحرية.
استهل سيرته الذاتية الموسومة: “طائر التمّ ـ حكايات جنى الخطا والأيام”، الصادرة عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان عام 2021، بتعريف طائره المفضل (الملكي، النبيل، سامٍ، ذو إهاب وجيه، وخطو مهيب، واثق بنفسه دائم الوفاء). شبه نفسه بذلك الطائر لكثرة مثابرته وتساميه على التحديات والمعيقات بسبب الغربة التي فرضت عليه، ثم تعايش معها حتى احترفها. ولهذا أدرج سيرته في شكل من الأدب ينطوي على الفلسفة، دون أن يأخذ “بالمكر الروائي” الذي أتقنه نجيب محفوظ؛ ذلك أن فهمي نشر حقيقة عارية ذات خطو مهيب وإهاب وجيه، مؤمنًا بأن قول الحقيقة لا يستقيم إلا بوسائل حقيقية.
عرّج في سيرته الذاتية الفلسفية التي تتزيّن بثوب الأدب على مسقط رأسه والمكان الأول في وجدانه، قرية عين غزال الفلسطينية من أعمال مدينة حيفا، حيث وُلد عام 1939، فكتب مما شاهده وترسّب في وجدانه، ومما تناسل من حكايات الأقارب وكبار السن. ثم الهجرة القسرية إلى دمشق التي طبعت لغته العربية السليمة والبسيطة المعبرة في آن معًا. ويستذكر أساتذته في الجامعة السورية مثل بديع الكسم، عادل العوا، عبدالكريم اليافي، أنطون مقدسي، وأهم زملائه الذين أصبح لهم شأن في الفكر والفلسفة مثل السوداني حسن الترابي، ولقاءه بالفيلسوف المصري والأستاذ الأكاديمي في الفلسفة عبدالرحمن بدوي، ويصف في هذا السفر بساطته وتَساذُجه على حد تعبير جدعان. فشكّلت لي هذه السيرة الذاتية نافذة للاطلاع على الذاتي في حياة جدعان، من خلال أسفارها الخمسة التي تبدأ بسفر عين غزال وتنتهي بالسفر الخامس الذي يحدد فيه نظرته الفلسفية تجاه التراث والحداثة.
ويتحدث عن تجربته في الجامعة الأردنية، والزمالة المهنية التي ربطته برئيس الجامعة وعميد كلية الآداب فيها ناصر الدين الأسد. وهنا أرجع إلى الذاتي في تجربتي داخل أروقة كلية الآداب العتيدة في الجامعة الأردنية، حيث كنت أتأمل صور عمداء الكلية: محمود السمرة، وناصر الدين الأسد، وأحمد ماضي، ومجد الدين خمش، مع حفظ الألقاب والرتب العلمية، وإلى جانبهم صورة العميد الدكتور فهمي جدعان، الذي كان جسرًا أفادت منه الكلية، يربط الغربي بالتراثي ويمزجهما دون أن يفقد كلٌّ منهما حمضه النووي.
