انثروا بذور الخير … بدلاً من نثر بذور الفتنة

محي الدين غنيم   …..

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتشتد فيه الرياح من حولنا، يصبح أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس العدو الخارجي، بل ذلك الصوت الداخلي الذي يعبث بوحدتنا ويزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد. فحين تستبدل لغة العقل بالحقد، وتستبدل الوطنية بالتخوين، نكون قد بدأنا فعليًا في هدم ما لم يستطع الأعداء هدمه.
ما نشهده اليوم في الساحة الأردنية مؤلم ومقلق؛ أبواقٌ تخرج علينا لتبث السم في العسل وتُلبس الفتنة ثوب الوطنية، فتشكك بولاء الأردني من أصل فلسطيني لمجرد اختلافه في الرأي حول حربٍ مشتعلة في الإقليم. وكأن الانتماء أصبح مرهونًا بموقف سياسي وكأن الوطنية تقاس بمدى التطابق لا بعمق الانتماء!
أي منطق هذا الذي يحاكم الناس على آرائهم؟ وأي عقل ذاك الذي يزرع الشك في قلوب أبناء الوطن الواحد؟ إن الأردني من أصل فلسطيني لم يكن يومًا غريبًا عن هذه الأرض، بل كان وما زال جزءًا أصيلًا من نسيجها، قدّم وضحّى، ووقف جنبًا إلى جنب مع أخيه الأردني في كل المحطات الصعبة. فهل يُكافأ اليوم بالتشكيك والتخوين؟
ولم تقف هذه الأبواق عند هذا الحد، بل تجاوزته لتنفخ في نار الفتنة الطائفية بين المسلمين، سنةً وشيعة، في مشهدٍ بائس يكشف إفلاسًا فكريًا وأخلاقيًا. أولئك الذين يتحدثون عن الدين وهم أبعد ما يكونون عنه، لا يعرفون من الإسلام إلا ما يخدم أهواءهم، ولا من القبلة إلا ما يمر عبر مصالحهم. فكيف لمن كانت قبلته الخمارات والملاهي الليلية أن يتحدث عن الطائفة والدين؟!
إن الفتنة ليست مجرد كلمات تُقال، بل نارٌ إن اشتعلت أحرقت الجميع دون استثناء. والتاريخ مليء بالشواهد على شعوبٍ مزقتها الخلافات الداخلية حتى أصبحت لقمة سائغة لكل طامع. فهل نريد أن نكون نسخة جديدة من تلك المآسي؟
اليوم، نحن أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن نكون على قدر المسؤولية، فننثر بذور الخير، ونحمي وحدتنا، ونرتقي بخطابنا، أو نترك الساحة لهؤلاء العابثين ليقودونا نحو الهاوية. لا خيار ثالث.
إن الأردن لم يكن يومًا وطنًا هشًا، بل كان قويًا بتماسك شعبه، متينًا بوحدته، عصيًا على الانكسار بوعي أبنائه. وما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الصراخ، بل مزيدًا من الحكمة. ليس مزيدًا من الاتهامات، بل مزيدًا من الثقة. ليس مزيدًا من الانقسام، بل مزيدًا من التلاحم.
انثروا بذور الخير… فالوطن لا يحتمل مزيدًا من الشقوق.
ازرعوا الكلمة الطيبة… فهي وحدها القادرة على ترميم ما تصدّع.
وكونوا على يقين، أن القادم قد يكون أصعب، ولن ننجو منه إلا صفًا واحدًا، قلبًا واحدًا، ووطنًا واحدًا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا