التوقيت الصيفي الفلسطيني… ماذا يفيدنا والعجلة الاقتصادية والمؤسسات المدنية معطّلة؟
بقلم د. تيسير فتوح حجة ….
الأمين العام لحركة عدالة
في كل عام، ومع اقتراب موعد العمل بالتوقيت الصيفي، ينشغل الناس بضبط ساعاتهم، وتغيير روتين حياتهم، على أمل أن يحمل هذا التغيير شيئًا من التخفيف على واقعهم اليومي. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم: ما جدوى التوقيت الصيفي في ظل واقع اقتصادي متعثر، ومؤسسات مدنية شبه معطّلة، وحياة عامة تعاني من الشلل؟
التوقيت الصيفي، في جوهره، أداة تنظيمية تهدف إلى الاستفادة من ساعات النهار الطويلة، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحفيز الإنتاج. لكنه في الحالة الفلسطينية يفقد الكثير من مبرراته، حين تكون عجلة الاقتصاد لا تدور أصلاً، وحين يعاني المواطن من أزمات متراكمة تبدأ من لقمة العيش ولا تنتهي عند انعدام الأفق.
كيف يمكن الحديث عن زيادة الإنتاج، بينما قطاعات واسعة من شعبنا تعاني البطالة أو تعمل في ظروف غير مستقرة؟ وكيف يمكن أن ينعكس التوقيت على تحسين الأداء المؤسسي، في وقت تعاني فيه المؤسسات من الترهل، وضعف الفاعلية، وتأجيل الكثير من الخدمات الأساسية؟
الأدهى من ذلك، أن التوقيت الصيفي قد يتحول إلى عبء إضافي على المواطن، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء في بعض المناطق، وغياب البنية التحتية القادرة على استيعاب أي تغيير زمني يهدف إلى تحسين جودة الحياة. فبدل أن يكون وسيلة للراحة والتنظيم، يصبح عامل إرباك في حياة الناس، دون مردود حقيقي ملموس.
إن القضية ليست في تقديم الساعة أو تأخيرها، بل في تقديم حلول حقيقية تعيد الحياة إلى الاقتصاد الوطني، وتفعل دور المؤسسات، وتضع المواطن في صلب الاهتمام. فالتوقيت لا يصنع نهضة، إن لم يكن هناك نظام قادر على استثمار الوقت، وإدارة الموارد بكفاءة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
نحن بحاجة إلى إعادة ضبط “ساعة الوطن” قبل ضبط ساعاتنا الشخصية. نحتاج إلى إصلاحات حقيقية تبدأ من تفعيل القانون، وتعزيز الشفافية، ودعم الإنتاج المحلي، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية لتقوم بدورها الطبيعي في خدمة المواطن.
ومن هنا، تطرح حركة عدالة رؤيتها الواضحة تجاه هذه الحالة، والتي تقوم على أن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإجراءات شكلية، بل بإعادة بناء المنظومة الوطنية على أسس من العدالة والمساءلة والكفاءة.
ترى الحركة أن أي حديث عن تحسين الأداء الاقتصادي أو الإداري يجب أن يبدأ بتفعيل المؤسسات الرقابية، وإنهاء حالة الترهل الإداري، وضمان فصل حقيقي بين السلطات، بما يعيد الثقة للمواطن ويحفّز المشاركة المجتمعية.
كما تؤكد حركة عدالة على ضرورة تبنّي سياسات اقتصادية إنتاجية، تدعم القطاعات الحيوية كالصناعة والزراعة، بدل الاعتماد على الاقتصاد الاستهلاكي المرتبط بالاحتلال، والعمل على خلق بيئة استثمارية آمنة ومستقرة توفر فرص عمل حقيقية للشباب.
وفي الجانب المدني، تدعو الحركة إلى تمكين المؤسسات المحلية، وإجراء انتخابات دورية شفافة تعيد الشرعية للمجالس البلدية والقروية، وتمنح المواطن دورًا فعّالًا في صنع القرار، بعيدًا عن الإقصاء والتفرد.
وترى الحركة أن العدالة الاجتماعية يجب أن تكون حجر الأساس في أي إصلاح، من خلال توزيع عادل للموارد، وضمان حقوق الفئات المهمشة، وتوفير خدمات أساسية كريمة في التعليم والصحة والبنية التحتية.
ختامًا، يبقى التوقيت الصيفي إجراءً شكليًا في ظل واقع معطّل، لا يغيّر من حقيقة أن شعبنا يعيش خارج إيقاع الزمن الطبيعي، بسبب الاحتلال والانقسام وسوء الإدارة. وما لم تُعالج هذه الأسباب الجذرية، وتُترجم الرؤى الوطنية—وفي مقدمتها رؤية حركة عدالة—إلى أفعال ملموسة، سيبقى كل تغيير في الوقت مجرد عقارب تدور… في فراغ.
الكاتب من فلسطين