اليمنُ يخلعُ قناعَ الهيمنة الأمريكية ويضعُ إسرائيلَ تحتَ الحصار: من بابِ المندب إلى هرمز… محورُ النار يشتعلُ، ومن يبدأُ العدوانَ سيغرقُ في البحرِ الذي ظنَّهُ آمنًا

بقلم /وداد علي سالم البيض. …..

 

لم يعد اليمنُ اليوم مجرّدَ دولةٍ محاصرةٍ تقاتلُ من أجلِ بقائها، ولم يعد شعبُه ذلك الشعبَ الذي ظنّت أمريكا وأدواتُها أنّ الجوعَ سيُخضعُه، ولا أنّ القصفَ سيُرعبُه، ولا أنّ الحصارَ سيكسرُ إرادتَه، ولا أنّ السنواتِ الطويلةَ من الاستهدافِ الوحشيِّ ستجعلُه يتراجعُ أو ينحني أو يرفعُ الرايةَ البيضاء.

اليوم، اليمنُ يقفُ من جديد…
لكن ليس كما عرفهُ الأعداءُ من قبل، وليس كما أرادتهُ غرفُ العدوانِ الأمريكيةُ والإسرائيليةُ والخليجيةُ أن يكون.
اليوم اليمنُ يدخلُ المعركةَ الكبرى لا كطرفٍ هامشيٍّ، بل كقوةِ قلبٍ في محورِ المواجهة، لا كصوتٍ إعلاميٍّ، بل كقبضةِ نارٍ حقيقية، لا كجبهةٍ ثانويةٍ، بل كمفتاحِ التحوّلِ الاستراتيجيّ الذي سيعيدُ رسمَ خرائطِ الحربِ في البرِّ والبحرِ والممرّاتِ الدولية.

إنّ دخولَ اليمنِ على الخطِّ العسكريِّ دعمًا وإسنادًا لإيران، والعراق، ولبنان، ليس تفصيلًا عابرًا في نشراتِ الأخبار، وليس مجرّدَ بيانِ تضامنٍ أو موقفٍ عاطفيٍّ أو استعراضِ عضلاتٍ في الهواء.
بل هو زلزالٌ جيوسياسيٌّ وعسكريٌّ حقيقيّ، يحملُ في باطنِه من المتغيّراتِ ما يكفي لنسفِ الحساباتِ الأمريكيةِ والإسرائيليةِ، وإرباكِ الأساطيل، وتشتيتِ مراكزِ القرار، ورفعِ كلفةِ العدوانِ إلى مستوياتٍ قد لا تستطيعُ واشنطنُ ولا تل أبيب احتمالَها طويلًا.

اليمنُ اليوم لا يدخلُ هذه الحربَ لأنّه يحبُّ الحرب، ولا لأنّه يبحثُ عن دورٍ بطوليٍّ على الشاشات، ولا لأنّه يريدُ أن يُقالَ عنه إنّه شاركَ في المعركة.
اليمنُ يدخلُ لأنّه فهمَ طبيعةَ المعركةِ قبلَ كثيرين، وأدركَ أنّ ما يجري ضدَّ إيران ليس ملفًا منفصلًا، ولا حادثةً موضعية، ولا اشتباكًا محدودًا، بل هو حلقةٌ في مشروعٍ استكباريٍّ واحد يستهدفُ كلَّ من يرفضُ الخضوعَ لأمريكا وإسرائيل، وكلَّ من يرفعُ رأسَه في وجهِ الهيمنة، وكلَّ من يملكُ قرارَه، وكلَّ من لا يركعُ عندَ أقدامِ البيتِ الأبيض.

ومن هنا، فإنّ اليمنَ حينَ تحرّكَ، لم يتحرّكْ من فراغ، ولم يتحرّكْ ارتجالًا، ولم يتحرّكْ بدافعِ الحماسةِ اللحظية، بل تحرّكَ من موقعِ القراءةِ العميقةِ، والاستعدادِ الطويلِ، والتقديرِ الدقيقِ للمرحلة.
لقد فهمت صنعاء أنّ أمريكا وإسرائيل لا تبحثان عن سلام، ولا تريدان تهدئة، ولا تؤمنان بالحوار إلا كخدعة، ولا بالمفاوضات إلا كوسيلةِ شراءِ وقت، ولا بالاتفاقات إلا كجسورِ عبورٍ نحو الغدر.

هذا العدوُّ لا يفهمُ إلا لغةَ القوة.
ولا يتراجعُ إلا إذا شعرَ بالخطر.
ولا يوقفُ عدوانَه إلا إذا صارَ الثمنُ عليه أثقلَ من المكاسب.
واليمنُ اليوم جاءَ ليقولَ لأمريكا وإسرائيل بصوتٍ لا يرتجف:

إذا فرضتم الحصارَ علينا، سنفرضُ عليكم الحصار.
إذا قصفتم، سنقصف.
إذا وسّعتم الحرب، سنوسّعها.
إذا أغلقتم الأبوابَ في وجوهِ شعوبِنا، سنغلقُ البحارَ في وجوهِكم.
والبادئُ أظلم… والردُّ آتٍ من حيثُ لا تتوقّعون.

إنّ أخطرَ ما في الموقفِ اليمنيِّ اليوم أنّه ليس تهديدًا نظريًّا، وليس لغةً شعبويةً للاستهلاك، وليس بيانًا فضفاضًا يمكنُ تفسيرُه ألفَ تفسير.
بل هو إعلانُ معادلةٍ جديدةٍ مكتملةِ الأركان:
أوقفوا العدوانَ على إيران ومحورِ المقاومة.
أوقفوا عدوانَكم على العراق ولبنان وفلسطين واليمن.
ارفعوا الحصارَ الجائرَ عن اليمن.
وإلّا فإنّ البحرَ الأحمرَ والبحرَ العربيَّ ومضيقَ بابِ المندب لن تبقى مجرّدَ ممرّاتٍ تجاريةٍ في خرائطِكم العسكرية، بل ستتحوّلُ إلى ساحاتِ استنزافٍ مفتوحةٍ، وإلى مقابرَ لهيبةِ الأساطيل، وإلى كابوسٍ اقتصاديٍّ وأمنيٍّ واستراتيجيٍّ يطاردُ أمريكا وإسرائيل ومن يدورُ في فلكِهما.

لقد كانت أمريكا بالأمسِ تراقبُ مضيقَ هرمز بعينِ القلقِ، وتعرفُ أنّ إيران تملكُ هناك ورقةً استراتيجيةً قادرةً على إرباكِ العالم.
واليوم، قبلَ أن تستوعبَ واشنطنُ حجمَ المأزقِ في الخليج، ها هو بابُ المندب ينهضُ من الجنوبِ ليقولَ لها:
لستم وحدَكم من يختارُ الممرّات… نحن أيضًا نختارُ أينَ تُفتَحُ البحارُ وأينَ تُغلَق.

وهنا تتجلّى العبقريةُ العسكريةُ والسياسيةُ في الموقفِ اليمنيّ.
فاليمنُ لا يكتفي بإسنادِ إيران معنويًّا، بل يذهبُ إلى ضربِ الخاصرةِ الرخوةِ للعدوّ:
الملاحة.
الاقتصاد.
سلاسلُ الإمداد.
الممرّاتُ الدولية.
كلفةُ التأمين.
ارتباكُ الشركات.
هشاشةُ التجارة.
وخوفُ الأسواقِ العالميةِ من اتّساعِ النار.

فحينَ يتحدّثُ اليمنُ عن البحرِ الأحمرِ والبحرِ العربيِّ وبابِ المندب، فهو لا يتحدّثُ عن جغرافيا جامدة، بل يتحدّثُ عن شرايينَ حياةٍ لاقتصادِ العدوّ، وعن مفاصلَ حركةٍ للأساطيل، وعن مناطقَ اختناقٍ إذا اشتعلت، فإنّ أثرَها لن يقتصرَ على سفينةٍ هنا أو ناقلةٍ هناك، بل سيمتدُّ إلى مراكزِ المال، وأسواقِ الطاقة، وحساباتِ البورصات، ومخاوفِ المستثمرين، وقراراتِ شركاتِ الشحن، ومزاجِ العالمِ كلّه.

وهنا يجبُ أن تفهمَ أمريكا وإسرائيل حقيقةً واحدةً لا مهربَ منها:
اليمنُ لم يعد كما كان.

هذا ليس يمنَ السنواتِ الأولى من العدوان.
ليس يمنَ الإمكاناتِ المحدودةِ كما تصوّروه.
ليس يمنَ الصورةِ النمطيةِ التي حاولتْ وسائلُ إعلامِهم تكريسَها.
هذا يمنٌ خرجَ من تحتِ القصفِ أكثرَ صلابة.
وخرجَ من تحتِ الحصارِ أكثرَ ابتكارًا.
وخرجَ من قلبِ المعركةِ أكثرَ خبرةً.
وتحوّلَ من هدفٍ للعدوانِ إلى صانعِ معادلاتٍ يخشاها المعتدون.

لقد جرّبت أمريكا وحلفاؤها هذا الشعبَ طويلًا.
جرّبوه بالقصفِ الوحشيّ.
جرّبوه بالتجويع.
جرّبوه بالعقوبات.
جرّبوه بالحصارِ البحريِّ والجويِّ والبريّ.
جرّبوه بالحربِ النفسيةِ والإعلامية.
جرّبوه بتمويلِ المرتزقةِ وإغراقِ الداخلِ بالفوضى.
فماذا كانت النتيجة؟
لم يسقط اليمن.
لم ينكسر اليمن.
لم يرفع اليمن رايةَ الاستسلام.
بل على العكس…
تحوّلَ اليمنُ إلى مدرسةٍ في الصمود، وإلى مختبرٍ قاسٍ لصناعةِ الردع، وإلى عقدةٍ استراتيجيةٍ في حلقِ من أرادوا ابتلاعَه.

واليوم، حينَ يدخلُ اليمنُ معركةَ إسنادِ إيران ومحورِ المقاومة، فإنّه لا يدخلُها ببياناتٍ وشعارات، بل يدخلُها وهو يحملُ ذاكرةَ حربٍ طويلة، وخبرةَ اشتباكٍ مرير، وإرادةَ رجالٍ لا يخافونَ المواجهةَ المباشرةَ مع أمريكا نفسها.
بل إنّ اليمنيين يعرفونَ جيدًا أنّ أمريكا، مهما بدت عملاقةً في الصورة، فإنّها حينَ تدخلُ حربَ استنزافٍ متعددةَ الجبهاتِ تتحوّلُ قوتُها الهائلةُ إلى عبءٍ لوجستيٍّ وعملياتيٍّ وسياسيٍّ ينهكُها من الداخل.

وهذا بالضبط ما سيحدثُ الآن.

فإذا أصرّت واشنطنُ على المضيِّ في عدوانِها، وإذا واصلت إسرائيلُ عربدتَها في المنطقة، فإنّ القواتِ الأمريكيةَ والبحريةَ الأمريكيةَ ستجدُ نفسَها أمامَ تشتيتٍ قاتلٍ للجهد:
جبهةٌ مع إيران.
جبهةٌ في العراق.
جبهةٌ مع لبنان عبر حساباتِ الدعمِ والردعِ والاشتباك.
وجبهةٌ بحريةٌ ملتهبةٌ مع اليمن في البحرِ الأحمرِ والبحرِ العربيِّ وبابِ المندب.
أيُّ جيشٍ في العالمِ يمكنُه أن يخوضَ حربًا مريحةً في هذا الوضع؟
أيُّ أسطولٍ يمكنُه أن يحافظَ على صورةِ الردعِ وهو يطاردُ النارَ في أكثرَ من بحرٍ ومضيقٍ وجبهة؟
وأيُّ إدارةٍ أمريكيةٍ تستطيعُ أن تضمنَ سقفَ التصعيدِ إذا خرجتِ المبادرةُ من يدِها؟

إنّها ليست معركةَ صواريخَ فقط…
إنّها معركةُ إرهاقٍ استراتيجيّ.
معركةُ استنزافٍ ممتدّ.
معركةُ كسرِ أعصابٍ.
معركةُ تفكيكِ صورةِ الهيمنة.
واليمنُ بارعٌ في هذا النوعِ من الحروب، لأنّه قاتلَ فيه سنواتٍ، ودفعَ ثمنَه دمًا وصبرًا وجوعًا، وخرجَ منه أصلبَ من الجبال.

أما إسرائيل، فهي الطرفُ الأكثرُ هشاشةً في هذه المعادلة.
إسرائيلُ كيانٌ يعيشُ على وهمِ التفوّقِ المطلق، وعلى سرعةِ الحسم، وعلى القدرةِ على نقلِ المعركةِ إلى أرضِ الآخرين.
لكن ماذا لو تحوّلتِ المنطقةُ كلُّها إلى حقولِ نارٍ مترابطة؟
ماذا لو صارتِ الملاحةُ مهدَّدة؟
ماذا لو ارتفعتِ الكلفةُ الاقتصاديةُ؟
ماذا لو تعطّلتِ الحساباتُ البحريةُ؟
ماذا لو صارَ الضغطُ على الممرّاتِ جزءًا من الردّ؟
ماذا لو تحوّلَ البحرُ نفسُه إلى جبهة؟
عندها، لن تكونَ إسرائيلُ في موقعِ القوة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد يعجبك ايضا