العدوان الإسرائيلي الأمريكي ومعركة هرمجدون وعودة المسيح

د.أحمد العرامي   …..

 

يعتبر الإنجيليون في الولايات المتحدة أن حروب المنطقة العربية والإسلامية، التي يسمونها بالشرق الأوسط، ليست إلا جزءًا من رواية دينية يؤمنون بها حول نهاية الزمان.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يلبس ثوب المتنور العلماني المستاء من “الثيوقراطية” الإيرانية حسب زعمه، ويصرّح بأن قادة إيران هم رجال دين شيعة متطرفون يتخذون قراراتهم الجيوسياسية استنادًا إلى رؤاهم الدينية. وبينما كان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث يصرّح هو الآخر بأنه لا يمكن لأنظمة متطرفة مثل إيران، متشبثة بما أسماه “الأوهام الإسلامية”، أن تمتلك أسلحة نووية؛ كان القادة العسكريون الأمريكيون يوجّهون خطابا مختلفا تماما لجنودهم.
فقد حثّ أحد القادة ضباطه على إخبار قواته بأن تلك الحرب جزء من خطة الرب، ثم وقف القائد أمام الضباط مستشهدًا بكلمات من الإنجيل تتحدث عن معركة هرمجدون وعودة المسيح الوشيكة، وأكد لضباطه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد مُسِح من قبل الرب المسيح لإشعال شرارة تلك الحرب مع إيران كي تكون نقطة البداية لاندلاع معركة هرمجدون وما يستتبعها من عودة المسيح إلى الأرض.
لم يكن الأمر مختلفا كثيرا في إسرائيل، فقد استشهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتوراة في خضم العدوان على إيران، إذ شبّه إيران بـ”العماليق”، وهم عدو توراتي قديم يمثل الشر المطلق في التراث اليهودي. وفي يوم 28 فبراير الماضي، وبعد ساعات من انطلاق العدوان على إيران، قارن نتنياهو بين بلاد فارس القديمة والنظام الإيراني الحالي، وذلك بذكر قصة تراثية سعى فيها العدو الفارسي إلى تدمير الشعب اليهودي، لكن مردخاي اليهودي والملكة أستير استطاعا إنقاذ الشعب فسقط العدو الفارسي، وفق القصة، كما سيسقط النظام الإيراني الشرير، على حد تعبير نتنياهو.
الرمزية هنا واضحة؛ فمثلما سعى قائد فارسي في التراث اليهودي إلى إبادة اليهود، تهدد إيران الآن، بحسب نتنياهو، بتدمير كيان الاحتلال وتسعى لامتلاك أسلحة نووية، وكأن التاريخ اليهودي يعيد نفسه بحسب الرواية الدينية التي يحاول تسويقها. بين السطور إذن نجد إشارات إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست مجرد حرب هدفها تخليص إيران من الحكم الديني، بقدر ما هي حرب مدفوعة برؤى دينية هي الأخرى، إلى جانب الأهداف الأمريكية والإسرائيلية الجيوسياسية.
في سبيل عودة المسيح
بالنسبة للعديد من الإنجيليين في الولايات المتحدة، فإن حروب ما يسمونه بالشرق الأوسط ليست إلا جزءًا من رواية دينية يؤمنون بها حول نهاية الزمان. وتتضمن تلك الرواية حربًا موعودة، من وجهة نظرهم، كانوا ينتظرونها ولطالما شجّعوا عليها مع إيران. وبحسب استطلاعات مركز بيو لعام 2022، يعتقد نحو 39% من الأمريكيين عمومًا، و47% من البروتستانت الإنجيليين، أننا نعيش عصر نهاية الزمان، وهي نسبة يُرجّح أنها قفزت منذ ذلك الوقت مع التصاعد الكبير لخطاب آخر الزمان في العامين الأخيرين في الولايات المتحدة. ويشير موقع ذا إنترسبت الأمريكي إلى أن عشرات القادة العسكريين الأمريكيين على الأقل يرون في هذه الحرب ضد إيران معركة في طريق عودة المسيح.
لا يبدو ذلك أمرًا غريبًا في عهد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، وهو القومي المسيحي الإنجيلي، ولذا يبدو أن الرؤى المسيحية عن آخر الزمان تحظى بمباركة من رأس البنتاغون في هذه الأيام. لقد رسّخ هيغسيث المسيحية الإنجيلية في أعلى مستويات الجيش الأمريكي، وأعاد تشكيل القيادة العسكرية لتتوافق مع رؤيته الدينية، وبثّ اجتماعات صلاة شهرية في جميع أرجاء البنتاغون، كما أنه يحضر حلقة دراسية أسبوعية للكتاب المقدس في البيت الأبيض يقودها واعظ يقول إن الله يأمر الولايات المتحدة بدعم إسرائيل.
“رسّخ هيغسيث المسيحية الإنجيلية في أعلى مستويات الجيش الأمريكي، وأعاد تشكيل القيادة العسكرية لتتوافق مع رؤيته الدينية، وبثّ اجتماعات صلاة شهرية في جميع أرجاء البنتاغون”.
أما البيت الأبيض فليس بعيدًا عن تلك الأجواء؛ حيث نُشرت لقطات من المكتب البيضاوي لمجموعة من القساوسة الإنجيليين وهم يضعون أيديهم على ترامب ويصلّون من أجل انتصاره في الحرب. لذا، ليس غريبًا في ظل تلك الأجواء أن تتلقى مؤسسة الحرية الدينية العسكرية، وهي منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة، سيلاً من أكثر من مئتي مكالمة من عشرات المنشآت العسكرية تتضمن 110 شكاوى قدمها أفراد عسكريون أمريكيون اتهموا قادتهم باستخدام خطاب ديني متطرف لتبرير الحرب على إيران.
وعلى الصعيد الإعلامي، تسابقت العديد من الرموز المسيحية الإنجيلية لإثبات أن الحرب على إيران هي مهمة دينية مقدسة تنذر بالمجيء الثاني للمسيح وتحقق نبوءات آخر الزمان. إذ أشادت وسائل الإعلام اليمينية بقرار الرئيس ترامب، وشبّهت شخصه بقورش الكبير وقسطنطين العظيم، وأكدت أن الحرب علامة على اقتراب معركة هرمجدون، وأن الله يستخدم ترامب في لحظة مفصلية.
الإعلامي جين بيلي، مقدم برنامج فلاش بوينت، الذي أجرى مع ترامب في السابق سبع مقابلات، ولانس والناو، الذي يعد من أبرز رموز القومية المسيحية ويرى أن قيادة ترامب للولايات المتحدة جزء من خطة الرب؛ كلاهما شبّه ترامب بقورش الكبير، الذي أنهى السبي البابلي لليهود. أما القس اليميني أندرو سيدرا فشبّه ترامب بقسطنطين العظيم وقورش في الوقت نفسه، مؤكدًا أن ترامب يستهدف رأس الأفعى — قاصدًا الإسلام — وأن الله يستخدمه في لحظة نبوية لإنزال العقاب على الحضارات الفاسدة والشريرة.
بدوره، رأى القس غريغ لوري، المؤيد الشهير لترامب، أن الحرب علامة على اقتراب معركة هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح، في حين قالت جولي غرين، وهي واعظة مسيحية إنجيلية مشهورة بدعمها الكبير لترامب، إن ما يحدث في إيران تحقق لنبوءات الرب، “وأنه أمر يدعو للفرح والطمأنينة، ويمنح السلام بعلمنا أن الله هو المسيطر، وأن مشيئته تتحقق، وأنه يزيل كل قائد شرير من منصبه”.
أما القس الشهير جون هاغي، مؤسس جماعة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل”، والذي دعا مرارًا وتكرارًا لشن حرب على إيران في السابق، فقد عبّر عن شكره العميق للرئيس ترامب الذي سحق بحكمته وشجاعته أعداء صهيون، مضيفًا: “اليوم نبتهج بنصوص حزقيال النبوية التي تكشف عن غضب الله العارم تجاه أعداء إسرائيل”.
خطوة إلى الوراء.. قادة أم أنبياء؟
“أيها المسيحيون، اخرجوا وصوّتوا هذه المرة فقط. لن تضطروا إلى فعل ذلك بعد الآن. أربع سنوات أخرى، كما تعلمون، وسينصلح كل شيء، وسيكون كل شيء على ما يرام، ولن تضطروا إلى التصويت بعد الآن”.
كل ما سبق، دون معرفة، يوضح درجة التغول التي وصل إليها الخطاب الديني في السياسة الأمريكية وفي كيان الاحتلال الإسرائيلي طيلة الأعوام القليلة الماضية. فقد باتت الرؤى الدينية اليمينية محركًا قويًا للتحركات السياسية، وبات قطاع واسع من أنصار اليمين الديني في أمريكا وإسرائيل يضيف طابعًا أسطوريًا على القادة السياسيين بوصفهم جنودًا ينفذون خطة الرب. وفي المقابل، بات القادة واعين لذلك ويلعبون على هذا الوتر بتعزيز الرؤى الدينية التي تتحدث عن آخر الزمان، ومن ثم تضعهم في مرتبة جنود الرب الذين اختارتهم السماء لتنفيذ مهام محددة.
بالنسبة لترامب، فمنذ الانتخابات الأخيرة والخطاب الديني يُستخدم بقوة في صفوف جماعات واسعة من المؤثرين المسيحيين الداعمين لانتخابه، وهو خطاب كان يشبه المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس بشخصية الملكة إيزابيل التي حاربت النبي إيليا (إلياس) واضطهدت المؤمنين بحسب الكتاب المقدس. وبات المؤثرون المسيحيون الإنجيليون مثل مارك دريسكول — وهو قس إنجيلي في ولاية أريزونا — ينشرون خطابًا مفاده أنه على المسيحيين المؤمنين منع “إيزابيل” (يقصد هاريس) من تولي السلطة. أما ترامب فكان يُشبَّه بملوك العهد القديم الذين لم يكونوا ملتزمين دينيًا لكنهم كانوا أداة استعملها الرب لرفعة المؤمنين.
وقد استغل ترامب هذا الخطاب جيدًا، وقدم نفسه هو الآخر بوصفه حامي المسيحية والمحارب من أجل كلمة الرب في الولايات المتحدة، واستطاع في النهاية أن يحصل على نحو 80% من أصوات الإنجيليين البيض، وأغلبية كبيرة من أصوات البروتستانت والكاثوليك البيض أيضًا. ومن ثم كان الطريق الذي سار عليه ترامب إلى كرسي الرئاسة للمرة الثانية ممهّدًا بالرؤى الدينية التي وضعته في مصاف ملوك العهد القديم.
ويرى الكثير من الإنجيليين، ومنهم أنغيلا بين، عضوة الكنيسة المعمدانية الأولى بإحدى مدن ولاية جورجيا، أن إعادة انتخاب ترامب مثلت لهم تفويضًا إلهيًا وليس تفويضًا من الشعب فقط. ولذا فإن هذا الصعود لترامب في نظرهم كان تحقيقًا لنبوءة العديد من المسيحيين الذين تنبؤوا بعودة ترامب كي ينصر المسيحية ويحارب أعداء المسيح ويكون جنديًا في خطة الرب لنهاية الزمان.
الواقع أن محاولة اغتيال ترامب في يوليو/تموز 2024 مثلت نقطة التحول الأهم في النظر إليه من قبل قطاع واسع من أتباعه بوصفه جندي الرب، وهو ما دعاه في حفل تنصيبه الثاني كي يقدم نفسه بوصفه رجلًا أنقذه الرب من أجل أن يجعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى. وبحسب رالف ريد، أحد المؤثرين الإنجيليين المهمين في الولايات المتحدة، من الصعب ألا نرى يد العناية الإلهية في نجاة ترامب من “محاولتي اغتيال”، حسب قوله. بل إن ترامب نفسه قال عن محاولة اغتياله الفاشلة إنه إذا كان هناك من شك في وجود الرب، فإن الرب قد أثبت وجوده. ووصل الأمر إلى حد أن بعض أنصاره ربطوا بين موعد إطلاق النار عليه، في الساعة 6:11 مساءً، وبين آية تحمل الرقم نفسه في رسالة أفسس (إحدى رسائل العهد الجديد) تتحدث عن ارتداء “سلاح الله”.
“يولي قطاع عريض من مناصري ترامب اهتمامًا استثنائيًا بعلامات آخر الزمان، ويقدّرون بشدة خطواته لدعم إسرائيل باعتبارها خطوات ممهدة لمجيء المسيح”.
باختصار، يولي قطاع عريض من مناصري الرئيس الأمريكي اهتمامًا استثنائيًا بعلامات آخر الزمان، ويقدّرون بشدة خطواته لدعم إسرائيل باعتبارها خطوات ممهدة لمجيء المسيح. كما أنهم لا يرون في ترامب قائدًا عاديًا، بل رجلًا ينفذ مشيئة الرب، ولا شك أن هذه العلاقة بين ترامب وقطاع عريض من أنصاره تعد من ضمن المحركات الرئيسية للسياسة التي ينفذها، فهو يريد أن يظهر أمام أنصاره بمظهر جندي الرب الذي يشبه ملوك العهد القديم.
على الجانب الآخر، وفيما يتعلق بإسرائيل، فمنذ اندلاع طوفان الأقصى وما أعقبه من حرب إبادية شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، تصاعد بشدة الخطاب اليميني الذي يتحدث عن نهاية الزمان واقتراب مجيء المسيح، إلى درجة أن الصحفي الإسرائيلي وعضو الكنيست السابق ينون ماغال صرح بأن المسيح وحده هو الذي يمكن أن يحل محل نتنياهو، باعتبار أن نتنياهو يمهد الطريق بحروبه لمجيء المسيح. وقد بات الحاخامات اليمينيون في دولة الاحتلال يرددون أنه لا بد أن يكون المرء أعمى حتى لا يرى أن هناك عناية إلهية تحيط بنتنياهو.
وبحسب صحيفة هآرتس العبرية، بات قادة اليهود القوميون المتشددون في دولة الاحتلال يرون الحروب مع غزة ومع إيران تجسيدًا للتدخل الإلهي الذي ينذر بقدوم المسيح وتعجيل الخلاص، وبدأ الحاخامات القوميون يرون في نتنياهو رسولًا من الله يعجل بتنفيذ خططه. وبدأ حاخامات مثل درور أرييه، وهو عضو حزب “نعوم” المتطرف، يقولون إن نتنياهو لم يُنتخب بصناديق الاقتراع وإنما انتُخب بتدبير إلهي لإيقاظ “الأسد الكامن” في الأمة وتقوية روحها. وتشير صحيفة هآرتس إلى أن الشعبية الحالية التي تحظى بها أفكار التعجيل بنهاية التاريخ وقدوم المسيح استثنائية وغير مسبوقة، إذ انتقل هذا النوع من التفكير من هوامش السياسة اليمينية إلى مركز الحكم في حزب الليكود.
أما على مستوى جيش دولة الاحتلال، ووفق تحقيق لصحيفة لوموند الفرنسية، فقد تغلغلت طائفة الحريديم المتشددة دينيًا في صفوف الجيش، وهي تسعى إلى تحكيم شريعة التوراة على كامل أرض إسرائيل، والتي من وجهة نظر أتباع الطائفة لا تشمل فقط الأراضي الفلسطينية، بل وأجزاء من سيناء والأردن. وتتمتع تلك الطائفة حاليًا بأكبر قدر من النفوذ على قرارات حكومة دولة الاحتلال، ويعتبر بعض أنصارها أن نتنياهو أشبه بـ”مسيح منتظر” يتدخل الرب من خلاله لتغيير مجريات الأحداث.
البحث عن المجد
إن هذه الأجواء الدينية التي أغرقت السياسة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة تجعل البحث عن المجد الشخصي بالنسبة لترامب ونتنياهو مسألة محورية؛ فقطاعات هامة من أهم قواعدهم الانتخابية قد رفعتهم إلى مرتبة “الأنبياء” لا القادة العاديين، وأي خطوات يتخذونها في سبيل مداعبة أحلام قواعدهم الشعبية باتت تتعلق بالخلاص ومجيء المسيح.
“الأجواء الدينية التي أغرقت السياسة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل البحث عن المجد الشخصي بالنسبة لترامب ونتنياهو مسألة محورية”.
ويأمل نتنياهو بحرب ناجحة على إيران في استعادة صورته الشخصية التي اهتزت بقوة بعد عملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، ومن ثم يجعله يسوّق لشعبه أنه ما زال قادرًا على منحهم الأمان، خاصة وأن إيران في نظر أغلب سكان دولة الاحتلال هي التهديد الأكبر والأخطر منذ اندلاع الثورة الإسلامية فيها.
وبالنسبة لترامب، فإن الحرب على إيران ترضي قطاعًا عريضًا من دائرته المقربة ومؤيديه المتدينين الإنجيليين المتعطشين منذ سنوات للحرب باعتبارها ممهدة لأحداث نهاية التاريخ. وبالإضافة إلى ذلك، يريد ترامب أيضًا أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه ويبحث عن مجده الشخصي، ولعله دافع لا يقل أهمية عن الدوافع الدينية لقاعدته الشعبية.
وتشير مجلة أتلانتيك الأمريكية إلى أن ترامب لديه دافع شخصي لتغيير العالم، إذ يرى نفسه أول رئيس أمريكي يمتلك الجرأة على تنفيذ ما لم يقدم عليه آخرون سوى بالتلميح؛ فهو يريد أن يغير الأنظمة التي عاندت الولايات المتحدة لعقود، وعلى رأسها النظام الإيراني، وذلك ليجعل إرثه أعظم من إرث رونالد ريغان الذي انتصر على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، ونيكسون الذي أعاد العلاقات الأمريكية مع الصين، وجيمي كارتر الذي ضمن اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وكيان العدو الإسرائيلي.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا