فادي السمردلي يكتب: في بلد فقير مائيًا.. من يسرق الماء؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في الأردن، لا يمكن التعامل مع الاعتداء على شبكة المياه باعتباره مخالفة عابرة تنتهي بمحضر ضبط وغرامة ففي بلد يُعد من أكثر دول العالم شحًا بالمياه، تصبح كل قطرة موردًا استراتيجيًا، ويصبح الاعتداء على خطوط المياه مساسًا بحق المجتمع في مورد أساسي للحياة، وبمنظومة مائية تواجه أصلًا ضغوطًا استثنائية.

وخلال الأيام الماضية، أعادت وزارة المياه والري فتح هذا الملف بعد ضبط اعتداءات على خطوط المياه تضمنت وصلات غير قانونية لاستخدام المياه في أغراض مختلفة وهذه الوقائع تطرح سؤالًا أكبر من حجم المخالفات نفسها كيف يمكن أن تصل المياه بصورة غير مشروعة إلى جهات تحتاج كميات كبيرة، بينما يتعامل الأردن مع كل متر مكعب باعتباره موردًا نادرًا؟

المشكلة ليست في كسر خط أو تركيب وصلة غير قانونية، وإنما في استنزاف مورد تدفع الدولة كلفة إنتاجه ونقله وضخه، ثم يُحرم منه مواطن آخر بطريقة غير مشروعة وكل كمية تُسحب خارج النظام تعني خسارة مائية ومالية، وقد تؤثر في كفاءة التزويد وتزيد الضغط على الشبكات ومصادر المياه.

الأردن لا يواجه مشكلة مياه عادية فشح الأمطار، ومحدودية المصادر الطبيعية، والنمو السكاني، والطلب المتزايد على المياه، والاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية، كلها تضع الموارد تحت ضغط مستمر وفي مثل هذه الظروف، تصبح إدارة كل متر مكعب قضية وطنية، ولا يعود مقبولًا التعامل مع الاعتداءات على الشبكات باعتبارها مجرد مخالفات تقنية.

والأخطر أن كلفة الاعتداء لا تقتصر على كمية المياه المسروقة، بل تشمل أضرار الشبكات، وفقدان الضغط، وأعمال الإصلاح والصيانة، فضلًا عن كلفة تشغيلية تتحملها الدولة لإنتاج وضخ مياه لا تصل إلى المستفيدين الذين خصصت لهم.

وعندما تُستخدم المياه المسروقة في أغراض إنتاجية أو تجارية، تصبح القضية أكثر خطورة، لأننا لا نتحدث عن استخدام فردي محدود، وإنما عن استغلال مورد عام لتحقيق منفعة خاصة على حساب منظومة يفترض أن تقوم على العدالة في توزيع المياه.

وهنا يبرز سؤال العدالة كيف يمكن مطالبة المواطن بترشيد استهلاكه، والالتزام بمواعيد التزويد، وإصلاح التسريبات ودفع فاتورته، بينما توجد جهات تسحب المياه خارج النظام؟ إن تطبيق القانون على الجميع ليس تفصيلًا إداريًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة.

ومكافحة الاعتداءات لا ينبغي أن تقتصر على حملات موسمية، بل تحتاج إلى منظومة رقابة مستمرة تعتمد على البيانات والخرائط الرقمية وأجهزة قياس التدفق والعدادات الذكية، بما يساعد على اكتشاف أي تغير غير طبيعي في كميات المياه أو ضغوط الشبكات بصورة مبكرة.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي فهناك حاجة إلى رقابة ميدانية قوية، وتنسيق بين الجهات المعنية، وتسريع إجراءات الضبط والتحقيق، وتطبيق عقوبات رادعة فحين تكون كلفة المخالفة أقل من العائد المتحقق منها، تصبح العقوبة غير الرادعة سببًا في تكرار التجاوز.

ومن الضروري كذلك التفريق بين الاعتداءات على الشبكات وبين الفاقد الناتج عن التسربات الفنية أو تقادم البنية التحتية فكلاهما يستنزف المياه، لكن الاعتداء يحتاج إلى إنفاذ صارم للقانون، بينما يحتاج الفاقد الفني إلى استثمارات حقيقية في الشبكات والصيانة والتحديث.

ولا يمكن فصل ملف المياه عن الزراعة، التي تمثل أحد أكبر مجالات الطلب على المياه. والمطلوب ليس فقط البحث عن مصادر إضافية، بل رفع كفاءة الاستخدام، والتوسع في تقنيات الري الحديثة، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، وربط النشاط الزراعي بقدرة المملكة المائية الحقيقية.

كما أن المياه المسروقة لا تعني خسارة للدولة وحدها، بل قد يدفع المواطن الملتزم جزءًا من كلفتها بصورة غير مباشرة. فكلما ارتفع الفاقد غير المبرر، زادت الحاجة إلى الاستثمار في الشبكات والمصادر البديلة، وأصبحت إدارة الطلب أكثر صعوبة.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة المياه ليست سلعة مباحة لمن يستطيع الوصول إلى الخط قبل غيره إنها مورد عام، والدولة مسؤولة عن حمايته وتوزيعه بعدالة، وكل اعتداء عليه يجب أن يُعامل باعتباره مساسًا بمصلحة المجتمع وأمنه المائي.

وفي المقابل، فإن مكافحة الاعتداءات لا تعفي الجهات المسؤولة من تحسين الخدمة فالمواطن الذي يُطلب منه الالتزام يحتاج إلى خدمة مستقرة وشفافة، ومعلومات واضحة حول التزويد والانقطاعات، وقنوات فعالة للإبلاغ عن التسربات والاعتداءات.

وفي النهاية، فإن قضية سرقة المياه في الأردن ليست قضية “ماء مسروق” فقط، بل قضية عدالة وسيادة قانون وأمن مائي فالدولة التي تنفق وتخطط وتبحث عن مصادر جديدة لتأمين المياه لا يمكن أن تسمح بهدر هذا المورد بسبب اعتداءات غير مشروعة.

الأردن لا يملك فائضًا من المياه حتى يتعامل معها بمنطق التساهل فكل متر مكعب له قيمة، وكل اعتداء يضيف ضغطًا جديدًا على منظومة تعاني أصلًا من محدودية الموارد وارتفاع الطلب. لذلك فإن المطلوب ليس فقط ضبط المخالفين، بل بناء منظومة رقابة تجعل الاعتداءات أقل قدرة على التخفي والاستمرار، وأكثر كلفة على مرتكبيها.

وفي بلد فقير مائيًا، السؤال الحقيقي ليس فقط من يسرق الماء؟ بل أيضًا: كم نخسر بسببه، ومن يدفع ثمن هذه الخسارة، ولماذا نسمح باستمرارها؟

فالقطرة التي تُسرق من الشبكة ليست ملكًا لفاعلها، وإنما تُنتزع من حق المجتمع وحماية الماء في الأردن ليست مسؤولية وزارة وحدها، بل مسؤولية دولة ومجتمع، لأن المعركة على المياه لم تعد قضية مستقبلية إنها معركة قائمة الآن، وكل تأخير في حسمها ستكون كلفته أكبر غدًا.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا