الأرض حين تقاوم العدم

بقلم هاني ابو عمرة  …..

 

حين يتمسك الفلسطيني بأرضه، فهو لا يدافع عن قطعة جغرافيا قابلة للتفاوض، بل يحرس المعنى ذاته: معنى أن يكون الإنسان ابن مكانه لا طارئاً عليه، وأن تكون الهوية امتداداً للتاريخ لا صفحة قابلة للمحو. لهذا، لم يكن الصراع يوماً نزاعاً حدودياً بين كيانين، بل مواجهة مفتوحة بين مشروعين: مشروع اقتلاعٍ إحلالي يسعى لإلغاء شعبٍ من الوجود، ومشروع بقاءٍ يرفض أن يتحول إلى هامش في رواية الآخرين.

منذ البدايات الأولى للفكرة الصهيونية، تشكلت المعادلة على أساس نفي الآخر. لم تبن الرواية الصهيونية على التعايش، بل على الإزاحة؛ لم تر في فلسطين وطناً مأهولاً، بل مساحةً يجب “تحريرها” من أصحابها. وهكذا، لم تكن النكبة حدثاً طارئاً في عام 1948، بل كانت التعبير الأكثر اكتمالاً عن منطقٍ تأسيسي يرى في التهجير شرطاً للوجود. وما نشهده اليوم، من حرب إبادة في غزة، وتسارع غير مسبوق في الاستيطان في الضفة، وسياسات تهويد في القدس، ليس إلا استمراراً لهذا المنطق، ولكن بأدوات أكثر شراسة، وفي ظل بيئة دولية أكثر تواطؤاً أو عجزاً.
غير أن التحول الأخطر لا يكمن فقط في تصعيد أدوات القمع، بل في اتساع أفق المشروع ذاته. فإسرائيل لم تعد تنظر إلى فلسطين باعتبارها سقف طموحها، بل بوصفها نقطة الانطلاق. فكرة “إسرائيل الكبرى” حتى وإن لم تُطرح دائمًا بصيغتها الكلاسيكية المباشرة، ما تزال حاضرة كخلفية أيديولوجية واستراتيجية، تتجلى في السعي الدائم لتفكيك البيئة الإقليمية المحيطة، وإعادة تشكيلها بما يضمن تفوقاً إسرائيلياً طويل الأمد.
إن قراءة ما يجري في المنطقة اليوم تكشف بوضوح هذا الترابط العميق بين الساحات المختلفة. العدوان المتكرر على لبنان ليس معزولاً عن محاولة كسر أي قوة إقليمية قد تشكل توازن ردع، ومخططات الاحتلال وممارساتها في سوريا يأتي في سياق إبقائها في حالة إنهاك دائم يمنع تعافيها كدولة فاعلة، وكذلك بوابة للتمدد الاسرائيلي شمالاً أما الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، فهي تعبير عن صراع أوسع على شكل المنطقة ومستقبلها، حيث يراد إعادة رسم موازين القوى بطريقة تنهي أي إمكانية لظهور قطب إقليمي قادر على تحدي الهيمنة.
في هذا السياق، لا تبدو الحروب كاستثناء، بل كأداة مركزية في الاستراتيجية. فإسرائيل، بحكم طبيعة مشروعها، لا تبحث عن استقرارٍ متوازن، بل عن تفوقٍ دائم. والاستقرار، إذا لم يكن قائماً على هذا التفوق، يعد تهديداً يجب تفكيكه. لذلك، فإن إبقاء المنطقة في حالة سيولة وصراع دائمين يصبح هدفاً بحد ذاته، لأنه يمنع تشكل بيئة إقليمية مستقرة يمكن أن تعيد طرح القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، بدل أن تبقى ملفاً إنسانياً يدار بالأزمات.
أما البعد الأكثر خطورة في هذه المعادلة، فهو السعي لجر دول المنطقة، وخاصة الخليج العربي، إلى قلب هذه الصراعات. فكلما اتسعت رقعة الاشتباك، وكلما انخرطت أطراف عربية في مواجهات مباشرة أو غير مباشرة، ازداد هامش الحركة أمام إسرائيل، وتحولت من طرف في الصراع إلى مركز لإعادة ترتيب التوازنات. إن تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات يخدم هدفاً استراتيجياً واضحاً: استنزاف الجميع، بينما تراكم إسرائيل عناصر القوة، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.
غير أن هذا المشهد، على قسوته، لا يلغي الحقيقة الأعمق: أن هناك عنصراً واحداً ظل خارج كل محاولات الضبط والسيطرة، وهو الإرادة الشعبية. فالشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له من اقتلاع وقتل وتدمير، لم يتحول إلى جالية منسية، ولم يقبل أن يكون “مشكلة لاجئين” تحل بالتوطين أو التعويض. بل بقي، في جوهره، شعباً يقاوم، يتمسك بأرضه، ويعيد إنتاج ذاته في كل جيل.
هذا التمسك ليس مجرد حالة نفسية، بل هو فعل سياسي بامتياز. فبقاء الفلسطيني على أرضه يفشل، يومياً، جوهر المشروع الصهيوني. كل بيت يعاد بناؤه، كل شجرة تزرع، كل طفل يولد في هذه الأرض، هو إعلان هزيمة لفكرة الإلغاء. وهنا، تكمن المفارقة الكبرى: أن مشروعاً يمتلك كل أدوات القوة، من جيشٍ متفوق إلى دعم دولي واسع، ما زال عاجزاً عن حسم الصراع، لأنه يواجه شعباً يرى في وجوده نفسه شكلاً من أشكال المقاومة.
إن ما يجري اليوم يفرض على المنطقة بأسرها إعادة التفكير في موقعها من هذا الصراع. فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد قضية تضامن، بل أصبحت مرآة تعكس طبيعة النظام الإقليمي كله: هل هو نظام قابل للتفكيك والاستتباع، أم قادر على إعادة إنتاج ذاته كفضاء سياسي مستقل؟
الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في موازين القوة العسكرية، بل في القدرة على إنتاج رؤية سياسية جامعة، تعيد تعريف المصالح العربية على أساس الأمن الجماعي، وترفض تحويل المنطقة إلى مسرح لصراعات الآخرين. فكل حرب تدار خارج هذا الإطار، وكل انخراط غير محسوب في صراعات إقليمية، لا يؤدي إلا إلى تعميق حالة التفكك، وفتح المجال أمام مزيد من التمدد الإسرائيلي.
في النهاية، تبقى فلسطين هي العقدة المركزية التي تتقاطع عندها كل هذه المسارات. ليست فقط لأنها الأرض التي بدأ منها الصراع، بل لأنها تختصر معناه كله: صراع على من يملك الحق في أن يكون. وفي هذا الصراع، لا تكفي القوة وحدها، ولا تحسمه الجغرافيا فقط، بل يظل مرهوناً بإرادة البشر وقدرتهم على تحويل المعاناة إلى معنى، والهزائم إلى مقدمات لنصرٍ مؤجل.
فلسطين، بهذا المعنى، ليست فقط قضية شعب، بل اختبار دائم لفكرة العدالة في عالمٍ يختبر حدوده الأخلاقية كل يوم. ومن هذه الأرض، التي أُريد لها أن تكون بداية النهاية، قد تولد، مرة أخرى، بداية جديدة.. للمنطقة بأسرها.

قد يعجبك ايضا