الصراع الكوني… حين تتجاوز المعركة حدود الجغرافيا

بقلم العقيد المتقاعد ليث المجالي …..

 

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يَميل الكثيرون إلى تفسير الصراعات من زاوية سياسية أو اقتصادية بحتة. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري يتجاوز حدود الدول والمصالح، ليصل إلى جوهر صراع ممتد بين منظومتين: منظومة تُعلي من قيمة الإنسان، وأخرى تُعيد تشكيله وفق معايير مادية بحتة.
إن الصراع الكوني الحقيقي ليس صراعًا معلنًا بين قوى متواجهة فقط، بل هو صراع في الوعي، في القيم، وفي الاتجاه الذي تُدفع إليه البشرية. فهناك قوى تمتلك نفوذًا ماليًا وإعلاميًا هائلًا، تُحسن توظيف أدوات العصر، من تكنولوجيا واتصال، لتكريس رؤى تخدم مصالحها، حتى وإن جاء ذلك على حساب الإنسان والأرض.
تحت شعارات التقدم والتحضر، يُعاد تعريف الأولويات، وتُختزل القيم، وتُفرغ المفاهيم الكبرى كالحُرية والعدالة من مضمونها الحقيقي، لتصبح أدوات توجيه لا أدوات تحرر. وهنا يكمن جوهر الإشكالية: حين يتحول التقدم إلى غطاء، لا إلى غاية إنسانية.
في المقابل، لا يزال هناك تيار إنساني عالمي، عابر للأديان والثقافات، يؤمن بأن الإنسان هو الغاية، لا الوسيلة. هذا التيار، رغم محدودية تأثيره الظاهر، يمثل خط الدفاع الأخير عن القيم الأصيلة: العدالة، الكرامة، والسلام.
وإذا ما تأملنا المشهد العالمي، نجد أن كثيرًا من المواجهات التي تبرز على السطح، ما هي إلا تجليات جزئية لصراع أعمق وأشمل. صراع لا يُقاس بحجم المعارك، بل بمدى تأثيره على وعي الإنسان وتشكيل مستقبله.
إن أخطر ما في هذا الصراع، أنه لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُمرر عبر القبول التدريجي، وعبر إعادة تشكيل القناعات. ومن هنا، يصبح الوعي الفردي مسؤولية كبرى، لا تقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.
ختامًا، يمكن القول إن معركة الإنسان الحقيقية اليوم ليست فقط في الدفاع عن أرضه، بل في الحفاظ على إنسانيته، وفي قدرته على التمييز بين ما يُعرض عليه من بريق، وما يحمله من حقيقة.
— ليث المجالي

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا