ذكرى يوم الأرض ووفاة عبدالحليم حافظ

ساامر أبو شندي  ….

صفحة العندليب الاخيرة طويت في الثلاثين من مارس في كتاب سطره بالعطاء الفني رغم قصر عمره، فترك إرثا فنيا ممتدا ومتنوعا.

تتصادف ذكرى وفاة عبدالحليم حافظ مع يوم الأرض، في الثلاثين من الشهر الجاري الذي تبنته فلسطين إحياء لذكرى شهدائها. فكان الثلاثون من مارس/ آذار 1977هو التاريخ الذي طويت فيه صفحة العندليب الاخيرة، في كتاب سطره بالعطاء الفني العارم رغم قصر عمره، فترك لنا إرثا فنيا ممتدا ومتنوعا، فأبدع مطربا وأبدع كممثل في مجموعة كبيرة من الأفلام.

كان عبدالحليم صوت الشباب كما كان صوت الثورة، فقد تزامن انطلاقه وشهرته مع ثورة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 وما حملته من معاني الحرية والنضال، التي حملت الثقافة والتعليم إلى كافة أرجاء مصر والعالم العربي والتي حملت السعي للإصلاح الثوري والزراعي وتوسيع القاعدة الصناعية والانتاجية، الأمر الذي جعل العندليب الأسمر قريبا من الشباب في حبهم وانكساراتهم وأحلامهم وإيقاع ونبض الأمة.

عبدالحليم أو حليم، كما كان يحلو لأصدقائه أن ينادوه كان ضمير أمة وصوت لحركة تحرر، من منا لا يذكر أداءه العنفواني في أوبريت الجيل الصاعد إلى جانب وردة وشادية ونجاة الصغيرة من الحان ومشاركة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب حيث كان مايسترو الأبريت وأدى كذلك مقطعا منه، وعن حليم يتحدث عبدالوهاب في برنامج النهر الخالد حيث يصف لقاءه بالعندلبب الأسمر باللقاء القدري حيث أعجب بتكوينه الشبابي الأسمر وخفة دمه والإيقاع الشبابي الذي يفيض من حديثه وحركاته وغنائه، فكان هذا اللقاء فاتحة للتعاون في كثير من الأغاني التي لحنها عبدالوهاب للعندليب وصادفت نجاحا كبيرا، ومن تلك الأغاني على سبيل المثال: “أهواك”، “توبة”، “فاتت جنبنا” وأغنية “من غير ليه” لكن القدر أخذ منا العندليب قبل أن يغنيها على المسرح وأقتصر غناء العندليب لبروفات برفقة عبدالوهاب خلدت في تسجيلات نادرة ومتفرقة ظهرت بعد وفاة حليم.

أما إذا تحدثنا عن شراكة حليم مع بليغ حمدي فالحديث ذو شجون فبعد هزيمة العام 1967. اعتزل بليغ التلحين، لكن تحت إصرار عبدالحليم على الغناء لرفع معنويات الشعب وللثأر من العدو يجتمع الشاعر الصعيدي الأسمر عبدالرحمن الابنودي وعبدالحليم مع بليغ حمدي ويخرج الابنودي ورقة مكتوب عليها قصيدة عدا النهار، وبعد أخذ وجذب يخرج الثلاثة بأغنية وأعجوبة فنية تقول: “عدا النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر وبلدنا عالترعة بتغسل شعرها جانا نهار مقدرش يدفع مهرها” فكانت من أرق الكلمات وأرق المشاعر التي صورت الهزيمة وحضرت للنصر. وتستمر بعد ذلك وتخلد الحان بليغ لحليم مثل “موعود”، “زي الهوى”، “حاول تفتكرني”.

منزل عبدالحليم حافظ تحول إلى متحف
منزل عبدالحليم حافظ تحول إلى متحف

أما أفلام حليم فكانت دائما تدور حول شاب مكافح يحب فتاة ويتحدى الظروف والمعيقات ويفوز بالنهاية بحبه في جو من الدراما والكلمة والنغم، وعودة للأغاني الوطنية وأيضا من ألحان بليغ حمدي (الذي قام بتمصير اللحن المصري) بحسب ما يقول عنه الابنودي، يصدح حليم بأغنية “فدائي فدائي”. ومن كلمات شاعر اليسار صلاح جاهين وألحان كمال الطويل يغني حليم للجماهير: “صورة صورة، كلنا كدا عايزين صورة جنب الراية المنصورة، يا جمال صورنا يا جمال”.

وللشعب الفلسطيني أهدى العندليب أغنية المسيح النادرة التي غناها في العاصمة بريطانية لندن في “البرت هول” وظهرت كذلك بعد وفاته، بواسطة شركة صوت الفن على يد مدير أعماله مجدي العمروسي.

جسدت حياة العندليب في مسلسل وفيلم سينمائي كذلك. وكان الفيلم من أداء الممثل الراحل أحمد زكي وكان ذلك موفقا من حيث تشابه حياة حليم مع حياة أحمد زكي من حيث المعاناة المبكرة، وكذلك رحيلهما المبكر عن عالمنا بسبب المرض، فضلا عن التكوين الجسماني المصراوي المتقارب بينهما.

وكما كان حليم مع الشعب في انكساره، كان مع الشعب في انتصاره، ففي انتصارات أكتوبر/تشرين الأول 1973 تخرج إلى النور أغنية خللي السلاح صاحي، فتضج بكلماتها الراديوهات والتلفزيونات العربية:

خللي السلاح صاحي صاحي صاحي

لو نامت الدنيا صحت مع سلاحي

سلاحى فى ايديا نهار و ليل صاحي

ينادي يا ثوار عدونا غدار

خللى السلاح السلاح صاحي صاحي صاحي

والأغنية من كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل ومن ألحان كمال الطويل من انتاج العام 1968 لكنها بقيت حبيسة الأدراج حتى تحررت وخرجت للنور مع نصر العام 1973

إلى جانب شهرته الفنية فقد اشتهر عبدالحليم بخفة دمه، ومقالبه التي كان يفعلها بأصدقائه، إلى جانب كرمه وحبه لجمع الأصدقاء والعائلة حوله كونه نشأ يتيما في قرية الحلوات التي ولد فيها في العام 1929

أما منزله في حي الزمالك القاهري، فقد تم افتتاحه كمتحف مفتوح للزوار، يضم مقتنياته الفنية والشخصية، وذلك بعد جهد كبير من عائلته ومحبيه، فبإمكان الزائر لهذا البيت الدافئ في تصميمه وديكوراته وأثاثه أن يرى حياة حليم من الداخل، ابتداء من سريره مرورا بعطوره وساعاته وانتهاء بخطاباته وملابسه.

كان حليم بصوته العذب وتعابير وجهه عبارة عن تمثيل لسيرة شعب بأغانيه، فخلدت تلك الحان والكلمات لترافقنا من أمسنا إلى يومنا هذا الذي تستمر فيه النضالات وما أشبه الأمس باليوم.

 

قد يعجبك ايضا