لقد “كفرت بالعروبة”… جنوب لبنان يحترق
محي الدين غنيم …..
لم يعد في القلب متسعٌ لشعاراتٍ جوفاء، ولا في العقل قدرة على تصديق تلك الأساطير التي طالما لقّنت لنا عن “أمةٍ عربيةٍ واحدة” و“مصيرٍ مشترك”. اليوم وأنا أرى جنوب لبنان يحترق تحت نيران العدوان الصهيوني، وأشاهد الضاحية الجنوبية تُدكّ فوق رؤوس أهلها، لا أجد سوى سؤالٍ واحدٍ ينهش ضميري: أين العرب؟
متى كنّا خير أمةٍ أخرجت للناس؟ أفي زمن البيانات الخجولة؟ أم في عصر الإدانات الباهتة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع؟ أم حين تحوّلت دماء الأبرياء إلى مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، تُقرأ بلا ارتجاف وتُنسى بلا خجل؟
جنوب لبنان لا يحترق وحده… بل تحترق معه كل ادعاءات الأخوّة وكل خطابات الوحدة وكل قصائد الحماسة التي صدّعوا بها رؤوسنا لعقود. هناك، في القرى المدمرة، لا يبحث الناس عن بيانات القمم العربية، بل عن سقفٍ يحمي أطفالهم، وعن وطنٍ لا يُقصف كلما قررت آلة الحرب الصهيونية أن تستعرض قوتها.
تهجيرٌ ممنهج، قتلٌ بدمٍ بارد، تدميرٌ للبنية التحتية واستهدافٌ للمدنيين… كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع عالمٍ يدّعي الحضارة، وعربٍ يدّعون الانتماء. لكن الحقيقة المؤلمة أن الصمت العربي لم يعد مجرد عجز، بل أصبح تواطؤًا بالصمت، وخيانة غير معلنة لكل من ينزف هناك.
ضاعت فلسطين… نعم، ضاعت حين تركت وحيدة في مواجهة آلة القتل. واليوم، لبنان يسير على ذات الطريق، بينما نحن نكتفي بالمشاهدة، أو بأسوأ من ذلك: بالانقسام، والتخوين، وتصفية الحسابات الصغيرة على حساب القضايا الكبرى.
أي عروبةٍ هذه التي لا تتحرك لنصرة المظلوم؟ وأي كرامةٍ بقيت لأمةٍ لا تهتز لصراخ الأطفال تحت الركام؟ إن كانت العروبة تعني هذا الصمت، وهذا العجز، وهذه الازدواجية، فإني أعلنها بلا تردد: لقد كفرتُ بعروبةٍ لا تحمي، ولا تنصر، ولا حتى تحتج.
ما يحدث في جنوب لبنان ليس مجرد عدوان عابر، بل اختبار أخلاقيٌ سقطنا فيه جميعًا. فإما أن نعيد تعريف معنى الانتماء، ونستعيد الحد الأدنى من الكرامة، أو نعترف بأننا لم نعد أمة، بل مجرد شعوبٍ متفرقة، يجمعها الاسم وتفرّقها المصالح.
التاريخ لن يرحم، والأجيال القادمة لن تغفر. وسيأتي يومٌ يُسأل فيه كل صامت: لماذا صمتّ… حين كان بإمكانك أن ترفع صوتك؟
جنوب لبنان يحترق… فهل بقي فينا شيءٌ يستحق أن يُسمّى عروبة؟
الكاتب من الأردن