فادي السمردلي يكتب: من النصوص إلى الواقع هل ينجح قانون التعليم الجديد في إحداث الفرق؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في الثامن من نيسان عام 2026، أقرّ مجلس النواب في الأردن قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بعد نقاشات مطولة وجلسات مكثفة استمرت لساعات طويلة وجاء هذا القانون في سياق مرحلة تشهد فيها المنظومة التعليمية تحديات متزايدة، تتعلق بارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، وتغير طبيعة الوظائف في سوق العمل، إضافة إلى الحاجة الملحّة لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع لذلك، لم يكن إقرار القانون مجرد خطوة تشريعية روتينية، بل محاولة واضحة لإعادة صياغة فلسفة التعليم وأهدافه بما يتناسب مع متطلبات العصر.
لقد أصبح التعليم في الوقت الحاضر عنصرًا حاسمًا في بناء المجتمعات الحديثة، ولم يعد يقتصر على تلقين المعلومات داخل الصفوف الدراسية، بل تحوّل إلى عملية شاملة تهدف إلى إعداد أفراد قادرين على التفكير النقدي والتكيف مع التغيرات ومن هذا المنطلق، جاء القانون الجديد ليؤكد على أهمية تطوير المهارات العملية وتعزيز الإبداع والابتكار، مع التركيز على ربط مخرجات التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطني. فالدول التي تستثمر في التعليم النوعي هي التي تمتلك القدرة على تحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة لمواطنيها.
ومن أبرز إيجابيات القانون أنه ركّز على تحسين جودة التعليم وتحديث أساليبه، من خلال إدخال مفاهيم جديدة تتعلق بالتعلم الرقمي واستخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية كما سعى إلى تنظيم إدارة القطاع التعليمي وتوحيد المرجعيات الإدارية، وهو أمر قد يسهم في تقليل البيروقراطية وتسريع اتخاذ القرارات داخل المؤسسات التعليمية ويُعد استمرار مبدأ التعليم الأساسي المجاني في المدارس الحكومية من النقاط الإيجابية المهمة، إذ يعزز مبدأ العدالة الاجتماعية ويضمن حق جميع الطلبة في الحصول على التعليم دون تمييز.
كذلك، أظهر القانون اهتمامًا بتطوير المعلم باعتباره الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، حيث أكد على ضرورة التدريب المستمر ورفع الكفاءة المهنية فالمعلم هو العنصر الأكثر تأثيرًا في نجاح أي إصلاح تعليمي، وأي تطوير في المناهج أو الأنظمة لن يحقق أهدافه إذا لم يترافق مع دعم حقيقي للمعلمين وتأهيلهم لمواجهة التحديات الجديدة. كما أن تعزيز البحث العلمي وتشجيع الابتكار داخل المدارس والجامعات يمثل خطوة ضرورية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
ورغم هذه الإيجابيات، فإن القانون الجديد لا يخلو من تحديات وتساؤلات مشروعة فبعض المختصين يرون أن المشكلة الأساسية في قطاع التعليم لا تكمن في نقص القوانين، بل في ضعف التنفيذ والمتابعة فالتجارب السابقة أظهرت أن العديد من الخطط الإصلاحية بقيت حبيسة الأوراق بسبب نقص التمويل أو غياب التنسيق بين الجهات المعنية ولذلك، فإن نجاح القانون الجديد سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المؤسسات التعليمية على تحويل نصوصه إلى إجراءات عملية ملموسة.
ومن السلبيات التي أُثيرت أيضًا التخوف من زيادة الأعباء على المعلمين والإداريين نتيجة التغييرات الجديدة، خاصة إذا لم تتوافر الموارد الكافية أو التدريب المناسب فالتغيير المفاجئ قد يؤدي إلى حالة من الضغط المهني أو عدم الاستقرار داخل المدارس، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم كما أن بعض المراقبين يشيرون إلى أن ربط التعليم بسوق العمل، رغم أهميته، يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد وتعاون وثيق بين القطاعين التعليمي والاقتصادي، وهو أمر يتطلب وقتًا وجهدًا مستمرين.
إضافة إلى ذلك، هناك تساؤلات حول سرعة ظهور نتائج هذا القانون، إذ إن إصلاح التعليم بطبيعته عملية طويلة ومعقدة لا يمكن قياس نجاحها خلال فترة قصيرة فالتحول الحقيقي في جودة التعليم يحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل، بدءًا من تطوير المناهج وتدريب المعلمين، وصولًا إلى تغيير ثقافة التعلم داخل المجتمع لذلك، فإن الحكم على القانون يجب أن يكون قائمًا على تقييم تدريجي وموضوعي، لا على توقعات فورية.
وفي المحصلة، يمثل قانون التعليم الجديد لعام 2026 خطوة مهمة نحو تحديث النظام التعليمي في الأردن، ويعكس رغبة واضحة في تحسين جودة التعليم وتطوير مهارات الطلبة بما يتناسب مع متطلبات المستقبل. غير أن الطريق من النصوص القانونية إلى الواقع العملي ليس طريقًا سهلًا، بل يتطلب التزامًا حقيقيًا بالتنفيذ وتوفير الموارد اللازمة ومشاركة جميع الأطراف في عملية الإصلاح وعندها فقط يمكن القول إن القانون لم يبقَ حبرًا على ورق، بل أصبح أداة فاعلة لإحداث الفرق الذي ينتظره المجتمع.
الكاتب من الأردن