فادي السمردلي يكتب:حياة على الشاشة كيف غيّر الهاتف يوم الأردنيين؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في السنوات الأخيرة، لم يعد الهاتف المحمول مجرد جهاز نحمله معنا للاتصال أو إرسال الرسائل فبهدوء شديد، ومن دون أن نشعر تمامًا بكيف حدث ذلك، أصبح الهاتف جزءًا من تفاصيل يومنا الدقيقة ، حاضرًا في اللحظة الأولى التي نستيقظ فيها، ومرافقًا لنا حتى آخر لحظة قبل النوم فتغيّرت علاقتنا به تدريجيًا، حتى صار بالنسبة لكثيرين نافذة على العالم، ومكتبًا متنقلًا، ووسيلة ترفيه، ومصدرًا للأخبار، ومساحة للتواصل، وفي أحيان كثيرة… مكانًا نقضي فيه جزءًا كبيرًا من حياتنا.
يكفي أن نتأمل بداية يوم أي شخص حولنا لندرك حجم هذا التحول.فقبل أن تُفتح الستائر، وقبل إعداد القهوة، وقبل تبادل أول حديث في المنزل، تمتد اليد تلقائيًا نحو الهاتف، شاشة صغيرة تُضاء في العتمة، تتوالى عليها الإشعارات والرسائل والتنبيهات فيتفقد البعض الأخبار، وآخرون يراجعون رسائل العمل، بينما يمرّ كثيرون سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي قبل حتى أن يغادروا أسرّتهم وكأن اليوم لا يبدأ فعلًا إلا بعد النظر إلى تلك الشاشة.
لكن اللافت أكثر أن استخدام الهاتف لم يعد مرتبطًا بوقت محدد فهو لا يسرق ساعات طويلة متواصلة بالضرورة، بل يتسلل إلى اليوم على شكل دقائق صغيرة متفرقة, دقائق أثناء الانتظار، وفي السيارة، وبين الاجتماعات، وخلال الدراسة، وحتى أثناء الحديث مع الآخرين فنفتح الهاتف “لدقيقة”، ثم نغلقه بعد نصف ساعة دون أن نشعر كيف مر الوقت وهذا ما يجعل حضوره في حياتنا أكثر عمقًا مما يبدو.
وقد انعكس ذلك بشكل واضح على علاقتنا بالوقت والتركيز فالتنقل المستمر بين التطبيقات، والإشعارات التي لا تتوقف، والمحتوى المتجدد بلا نهاية، كلها جعلت الانتباه موزعًا على مدار اليوم فأصبح من الصعب على كثيرين الجلوس مع مهمة واحدة لفترة طويلة دون مقاطعة فالهاتف بات يقسم الوقت إلى مقاطع صغيرة، ويعيد تشكيل إيقاع يومنا بطريقة مختلفة تمامًا عما كان قبل سنوات قليلة.
ولم يقتصر التغيير على الوقت والعمل فقط، بل وصل إلى العلاقات الاجتماعية نفسها فمن جهة، جعل الهاتف العالم أقرب فبات بإمكاننا التواصل مع من نحب في أي لحظة، مهما كانت المسافات بعيدة بمكالمة قصيرة، رسالة صوتية، صورة، أو فيديو… كلها اختصرت الكثير من المسافات وسهّلت التواصل بشكل غير مسبوق ولكن من جهة أخرى، خلق هذا القرب الرقمي نوعًا مختلفًا من البعد الواقعي مشهد مألوف يتكرر في المقاهي والبيوت ووسائل النقل مجموعة من الأشخاص يجلسون في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم غارق في شاشة هاتفه فالأجساد حاضرة، لكن الانتباه موزع في أماكن أخرى.
حتى لحظة الراحة التي كانت تعني سابقًا نهاية اليوم، تغيّرت هي الأخرى فالهاتف أصبح آخر ما نراه قبل النوم فكثيرون يطفئون أنوار غرفهم، لكنهم لا يطفئون شاشاتهم. تصفح سريع يتحول إلى متابعة طويلة، وفيديو قصير يقود إلى آخر، ورسالة تُفتح فتتبعها أخرى فتمر الدقائق، وأحيانًا الساعات، قبل أن ينتبه الشخص إلى الوقت ومع هذا المشهد الليلي المتكرر، أصبح النوم نفسه مرتبطًا بإيقاع الشاشة.
ورغم كل ذلك، لا يمكن النظر إلى الهاتف باعتباره مجرد مشكلة أو خصم للحياة اليومية فهو أيضًا سهّل تفاصيل كثيرة لا يمكن إنكارها فعبره نعمل، ونتعلم، ونتسوق، وندفع الفواتير، ونطلب الطعام، ونتابع الأخبار لحظة بلحظة، ونصل إلى المعلومات خلال ثوانٍ فالهاتف اختصر الوقت في جوانب كثيرة، وفتح فرصًا جديدة للعمل والتواصل والتعلم لم تكن متاحة سابقًا والمشكلة ليست في وجوده، بل في حجم المساحة التي أصبح يحتلها داخل يومنا.
وربما السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس كم ساعة نقضي على الهاتف؟ بل إلى أي مدى أصبح الهاتف يعيد تشكيل عاداتنا وتفكيرنا وطريقة عيشنا؟ متى نبدأ يومنا، كيف نتواصل، متى نرتاح، كيف ننتظر، وحتى كيف نشعر بالملل… كلها تفاصيل أعاد الهاتف تعريفها بصور مختلفة.
الهاتف اليوم لم يعد مجرد جهاز نحمله في جيوبنا وبالنسبة لكثيرين، أصبح مساحة كاملة نعيش داخلها وبين فائدة لا يمكن الاستغناء عنها، واعتياد يصعب الانفصال عنه، يبقى السؤال مفتوحًا هل ما زلنا نحن من يستخدم الهاتف، أم أن الهاتف، بهدوء ودون إعلان، أصبح هو من يعيد ترتيب يومنا؟
الكاتب من الأردن