تسليم المناضلين أم كسر السيادة؟! حين يُسلَّم التاريخ إلى الخصوم

محي الدين غنيم   …..

في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالقانون، ويضيع فيها الحد الفاصل بين العدالة والضغوط الدولية، يبرز السؤال الصادم: هل يجوز تسليم مواطنٍ إلى دولةٍ أخرى، بعد أكثر من أربعة عقود، وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا، وأفنى جلّ حياته  في نصرة قضيته والكفاح من أجل تحرير فلسطين  ؟
قضية تسليم الفلسطيني محمود العدرا، المعروف بـ”هشام حرب”، إلى فرنسا، ليست مجرد إجراء قانوني عابر، بل هي اختبار حقيقي لمفهوم السيادة، ولمعنى الوفاء لتاريخٍ طويل من الصراع. فهل يُعقل أن يُعاد فتح ملفات الثمانينيات بهذه الطريقة؟ وهل العدالة تقاس بالتقادم أم بالإرادة السياسية؟
إن من أبسط مبادئ السيادة أن يُحاكم المواطن في وطنه، لا أن يُسلم إلى دولةٍ أخرى، خصوصًا عندما تكون القضية مرتبطة بصراعٍ سياسي وتاريخي معقّد. فالقانون الدولي نفسه يتيح  في كثير من الحالات محاكمة المتهم داخل بلده، إذا توفرت الأدلة، بدلًا من تسليمه. فأين هذا المبدأ اليوم؟
ثم، ماذا عن عامل الزمن؟ أربعة عقودٍ مضت، تغيّر فيها العالم، وتبدّلت فيها الموازين، وتقدّم الرجل في العمر حتى بات في خريف الحياة. فهل العدالة تتحقق اليوم بإعادة رجلٍ مسنّ إلى قفص الاتهام في دولةٍ أجنبية؟ أم أن الأمر يتجاوز العدالة إلى رسائل سياسيةٍ أبعد من ذلك؟
والسؤال الأكثر إيلامًا: هل كانت فرنسا، أو أي دولةٍ غربية، ستتصرف بالمثل لو كان مواطنها هو المطلوب؟ التاريخ يجيبنا بوضوح: الدول الكبرى تحمي أبناءها، وتقاتل قانونيًا وسياسيًا لعدم تسليمهم، بل تسعى لمحاكمتهم داخل أراضيها إن حاكمتهم أصلًا.
إن تسليم العدرا يفتح الباب أمام تساؤلاتٍ خطيرة: هل أصبح المناضل عبئًا بعد أن ينتهي دوره؟ وهل يمكن أن تتحول القضايا الوطنية إلى ملفاتٍ قابلة للمساومة؟ وأين تقف الخطوط الحمراء عندما يتعلق الأمر بالمواطن وكرامته وحقه في محاكمة عادلة داخل وطنه؟
ليست القضية دفاعًا عن شخصٍ بقدر ما هي دفاعٌ عن مبدأ. فاليوم هو العدرا، وغدًا قد يكون غيره. وإذا ما فُتح هذا الباب، فمن يضمن ألا يتحول إلى نهجٍ دائم؟
في النهاية، تبقى الحقيقة المُرّة: حين تُسلَّم الأوطان أبناءها، لا يكون السؤال فقط عن القانون، بل عن معنى الانتماء ذاته… وعن الثمن الذي يُدفع بصمت.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا